2. قوله: (ولو باعه لرجل)، سبق أن عبارة (باع له) تعني باع لمصلحته ونيابة عنه. فقوله: ولو باعه لرجل، أي باع المبيع لمصلحة رجل آخر، فالذي يباشر البيع هنا وكيل ونائب عن مالك المبيع. ثم قال: (لم يكن ينبغي له أن يشتريه بأقل من ذلك قبل أن ينقد.) أي لم يكن ينبغي للمالك الأصيل أن يشتري المبيع بأقل. فيكون معنى العبارة: لو وكل مالك السلعة من يبيعها نيابة عنه، فلا يجوز للأصيل أن يشتري السلعة بأقل قبل انتقاد ثمن الشراء. وقوله: (لنفسه ولا لغيره) أي لا ينبغي له أن يشتري سواء كان الشراء لنفسه أو لغيره. وواضح من ذلك أنه لا يلزم أن ترجع السلعة للمالك الأصلي، ومع ذلك حكم الإمام محمد بمنع هذا الشراء.
3. ثم قال: (ولا ينبغي للذي باعه أن يشتريه أيضاً بأقل من ذلك لنفسه ولا لغيره، لأنه هو البائع.) وقوله (الذي باعه) يريد الوكيل الذي باشر البيع نيابة عن المالك الأصلي. فيكون معنى العبارة: لا يجوز للوكيل الذي باشر البيع أن يشتري المبيع بأقل من الثمن الذي باع به قبل أن ينقد المشتري الثمن. وقوله: (لنفسه ولا لغيره) أي لا يصح الشراء، سواء كان الشراء لمصلحة الوكيل نفسه أو لمصلحة غيره. وواضح مرة أخرى أن المنع لا يشترط فيه أن تكون السلعة قد عادت للمالك الأصلي، بل قد تباع لطرف ثالث، وبذلك تكون المعاملة من صور التورق وليس العينة الثنائية، وهو تأكيد لمفهوم العبارة السابقة. وسيأتي من كلام فقهاء الحنفية ما يؤكد هذه النتيجة.
4. إن هذا الحكم ليس رأياً خاصاً بالإمام محمد وحده، بل هو رأي أئمة المذهب: أبي حنيفة (150هـ)، والقاضي أبي يوسف (182هـ)، بالإضافة لمحمد بن الحسن، رحمة الله عليهم جميعاً. ولهذا كان كتاب الأصل من كتب ظاهر الرواية، أي الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي. ولهذا السبب وجدنا هذا الحكم منصوصاً عليه في كتب الفقهاء ممن بعدهم.
ففي تبيين الحقائق للزيلعي، بعد أن ذكر المنع من شراء ما باع بأقل مما باع، قال: (وكذا لو وكّل رجلاً ببيع عبده بألف درهم، فباعه، ثم أراد الوكيل أن يشتري العبد بأقل مما باع، لنفسه أو لغيره بأمره، قبل نقد الثمن، لم يجز.) (15) ويزيد ابن عابدين في حاشيته هذا المعنى تأكيداً فيقول: (فأفاد أنه لو باع شيئاً أصالة بنفسه أو وكيله أو وكالة عن غيره، ليس له شراؤه بالأقل لا لنفسه ولا لغيره.)(16).
5. وهذه العبارات من فقهاء المذهب عبر القرون صريحة في منع هذا التعامل أصالة أو وكالة، في أي من العقدين: البيع أو الشراء. وتعليلهم لهذا المنع يعكس حرصهم على سد الباب من أصله. فيعلل الزيلعي المنع من شراء الوكيل لنفسه بقوله: (أما شراؤه لنفسه فلأن الوكيل بالبيع بائع لنفسه في حق الحقوق، فكان هذا شراء البائع من وجه، والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات.) ثم يعلل المنع من الشراء لغيره بقوله: (وأما لغيره فلأن شراء المأمور واقع له من حيث الحقوق، فكان هذا شراء ما باع لنفسه من وجه.) وذكر ابن عابدين تعليل الزيلعي وأقره.
6. إن هذه النصوص تؤكد أن من باع سلعة بثمن مؤخر،لم يجز له أن يشتري هذه السلعة لا لنفسه ولا لغيره، حتى لو كان في البيع الأول وكيلاً يعمل لمصلحة غيره، حتى لو لم ترجع السلعة لمالكها الأول. وهذا إغلاق محكم لكل أنواع الوساطة في هذا الباب، حتى لو كانت المعاملة من باب التورق وليس العينة الثنائية.
(ب) النص الآخر جاء في كتاب الجامع الصغير: (رجل كَفَل عن رجل بأمره، فأمَرَه أن يتعيّن عليه حريراً. فالشرى للكفيل والربح الذي ربحه البائع عليه) (17).
وفي هذا النص وقفات:
1. قال الشراح: قوله (يتعيّن)، أي يتعامل بالعينة، كما هو المعنى اللغوي. ومعنى العينة عند فقهاء الحنفية: هي أن يطلب الرجل من التاجر قرضاً، فيأبى أن يعطيه التاجر إلا بربح، ويخاف الوقوع في الربا. فيبيعه سلعة قيمتها نقداً مثلاً عشرة بخمسة عشر مؤجلة، فيبيعها المحتاج للنقد في السوق بعشرة، فيحصل له عشرة نقداً وفي ذمته خمسة عشر للبائع. قالوا: وهي مذمومة شرعاً، وجاء فيها الحديث: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) (18).