تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا هو الحاصل بالضبط في نظام "هبة الجزيرة": فالمتسوق يدفع 500 مقابل القُرص ومعه 15000. ومعلوم أنه لا يمكن أن يقبل بذلك البائع إلا إذا كان مبلغ الـ 15000 احتمالياً قد يحصل ولا يحصل، فيكون وجود القُرص حيلة وتلبيساً لحقيقة المعاملة وهي الميسر والمقامرة.

والفقه الإسلامي بحمد الله أعظم وأجلّ من أن تنطلي عليه هذه الحيل المذمومة، وإن كان قد يقع خلاف بين الفقهاء في بعض المعاملات هل هي من الحيل المذمومة أم لا. لكن فيما اتفقوا عليه وفي الأدلة الصحيحة ما يكشف وجه الحق في هذه المسائل، لأن الله تعالى عصم هذه الأمة من الاجتماع على ضلالة. وفي النهاية فإن الله عز وجل هو المطلع على قلب كل إنسان ومراده، فمن قصد الحق وبحث عنه وتجرد للدليل فسيتبين له الحق عاجلاً أو آجلاً، وهو في ذلك مأجور إن شاء الله. ومن أراد تتبع الرخص والتلفيق بين الآراء بما يرضي هواه لا بما يرضي مولاه، فسيجد عمله عند من لا تخفى عليه خافية.

الأسماء لا تغير الحقائق

وأما تسميتها بالهبة، فهو من تسمية الأشياء بغير اسمها الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة، في الصحيح وغيره. والأحكام الشرعية لا تتعلق بالأسماء إذا كانت تنافي الحقائق. فسواء سميت هبة أو هدية أو مكافأة أو منحة أو غير ذلك من الأسماء، فهذا لا يغير حقيقة أنها المقصود الأهم في المعاوضة.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الهدية قد تكون رشوة وغلولاً، كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لجمع الصدقة، فلما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا ؟" ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول هذا لكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة" الحديث، متفق عليه، ورواه أحمد أبو داود.

فهذه التي أسماها الرجل هدية إنما هي سحت وغلول، فمجرد التسمية لا يغير من الحقيقة شيئاً، وإنما هي من التحايل المذموم على الشرع. ولذلك ذكر البخاري رحمه الله هذه القصة في كتاب الحيل. والتحايل لا يجعل الحرام حلالاً، بل يزيده تحريماً، لأنه يجمع بين حرمة الفعل وبين حرمة التحايل والتدليس.

فيقال لمن يسمي مبلغ الـ 15000 ريالاً هبة أو هدية: هلا جلست في بيت أبيك وأمك فتنظر هل يهدى إليك هذا المبلغ أم لا؟ فهذه الهدية لا تعطى إلا لمن اشترى ودفع الثمن، فتكون إذن جزءاً من المعاوضة، وليست هبة كما سموها.

وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري: "إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا". فبين رضي الله عنه أن هذه التي تبدو هدية ظاهراً هي ربا في حقيقتها، وإخراجها على صورة هدية لا يغير من الحكم شيئاً. وعبد الله بن سلام رضي الله عنه كان من أحبار اليهود قبل أن يسلم، فهو خبير بالربا وصوره وأنواعه. فقوله هذا مبني على علم وخبرة بحقيقة الربا، مع ما منّ الله به عليه من العلم والفقه والصحبة.

ولذلك قرر شيخ الإسلام أن الهدية إذا وجدت لسبب أخذت حكم ذلك السبب، وجعل ذلك من أصول الشريعة: "وهو أن كل من أهدي له شئ أو وهب له شئ بسبب، فإنه يثبت له حكم ذلك السبب، بحيث يستحق من يستحق ذلك السبب، ويثبت بثبوته، ويزول بزواله، ويحرم بحرمته، ويحل بحله حيث جاز له قبول الهدية. مثل من أُهدي له للقَرض، فإنه يثبت له حكم بدل القَرض. وكذلك من أُهدي له لولاية مشتركة بينه وبين غيره، كالإمام وأمير الجيش وساعي الصدقات، فإنه يثبت في الهدية حكم ذلك الاشتراك. ولو كانت الهدية قبل العقد (أي عقد النكاح)، وقد وعدوه بالنكاح فزوجوا غيره، رجع بها" (الاختيارات ص334) وهذا يرجع في النهاية إلى قاعدة الشريعة في اعتبار المقاصد والنيات، وهي قاعدة كلية ثبتت من نصوص متواترة تبلغ حد القطع.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٦٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٦٩٩