لكن قد يرد على هذه الحال – أعني توبة الشركات والبنوك – إشكال وهو أن توبة الشركات ونحوها عن التعامل بالحرام والفاسد غير متمكنة أو ضعيفة، فهي ليست كالأشخاص والأفراد الذين يملكون أموالهم بأنفسهم فالشركات والبنوك عبارة عن شخصية معنوية قائمة بعدد من الأشخاص، وكل عامل فيها لا يعنيه توبة الشركة من عدمها، فمن التائب فيها؟
ويجاب: بأن هذه طبيعة الشخصيات المعنوية لا يطالب فيها شخص بعينه، وإنما هي قائمة بإرادة الجميع ومتخذي القرار فيها، فإذا كانت الإرادة قائمة من الإدارة ومتخذي القرار فيها كانت هذه الإرادة – وأعني بها التوبة- مقبولة، فهي مثل توبة الفرد والشخص العادي.
ويؤيده إمكانية وجود شرائط التوبة في هذه الشركات والبنوك ونحوها المساهمة، وهي العزم على عدم العود إلى الحرام من ربا وغيره في المستقبل، والإقلاع عنه في الحال، وأن تكون صادقة لا بقصد التلاعب بعقول الناس ونحوه، والندم على ما صدر منها في السابق (34)، والعزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به (35).
وأما الأموال الربوية المقبوضة فهي محرمة لحق لله وقد عفى عنها، وليست حقاً لآدميين فيؤمروا بإرجاعها إلى أصحابها، والله أعلم.
وأخيراً أقول: أيضاً يمكن إرجاع الفتوى في هذه المسألة إلى المفتي فينظر في ذلك المصلحة، فإن رأى من الشركة القدرة والاستعداد للتخلص من الأموال الربوية المقبوضة وصدق في التوبة مهما كلفها ذلك، فإنه يفتيها بالتخلص من هذه الأموال بالتصدق بها في مصالح المسلمين بنية التخلص لا التطوع.
وإن رأى منها ضعفاً في هذا الباب وخشي نفورها من التوبة، فإنه يفتي بعدم وجوب التخلص من المقبوض الفاسد، ولا يجب رده باعتبار أن هذه الفتوى أخف المفسدتين.
فإنها-أي: الشركة- لو أفتي لها بوجوب التخلص، لم تتخلص من المقبوض بعقد فاسد ولم تعلن التوقف عن التعاملات المحرمة بخلاف ما لو أفتي لها بعدم الوجوب، فإنها لن تتخلص من المقبوض بعقد فاسد، وسوف تقلع عن التعاملات المحرمة في المستقبل بعد إعلان توبتها، والله تعالى أعلم.
ومن خلال ما سبق، فمن قال بصحة توبة الشركة، وتَملِك ما قبضته من العقود الفاسدة، فإن من لازم قولهم جواز المساهمة فيها، وأنها تملك أسهمها بعد إعلان توبتها .
ومن قال بعدم صحة توبتها إلا برد جميع الأموال المحرمة أو التخلص منها فإن من لازم قولهم تحريم المساهمة فيها وتملك أسهمها حتى تتخلص من التعاملات المحرمة المقبوضة قبل التوبة، والله تعالى أعلم.
وصلى الله على بينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
(1) مجموع الفتاوى (22/16) وما بعدها، والدرر السنية في الفتاوى النجدية (3/133).
(2) فتاوى اللجنة الدائمة (14/29)و(14/32)و(14/48)و(14/62).
(3) المدونة الكبرى (4/148)، ومواهب الجليل (4/381)، ومقدمات ابن رشد ص (503)، والتمهيد (5/129)، والاستذكار (19/146) و(21/139)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/355-356)، ومسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك شرح العلامة الأمير على منظومة بهرام ص(49)، والفروق وحواشيه (2/164)، والمالكية أوجبوا على الجاهل التخلص منه، وبناء على ذلك فإنه من باب أولى أن يوجبوه على العالم العاصي .
(4) الفوات عند المالكية يعني أحد خمسة أشياء : الأول: تغير الذات وتلفها كالموت والعتق وهدم الدار وغرس الأرض وأكل الطعام ونماء المبيع ونقصانه . والثاني: حوالة الأسواق. والثالث: البيع. والرابع: حدوث عيب. والخامس: تعلق حق الغير كرهن السلعة . انظر القوانين الفقهية لابن جزيء ص(265) والشرح الصغير للدردير
(5) سورة البقرة، آية(279).
(6) الاستذكار (21/139).
(7) التمهيد (5/129)، والاستذكار ( 19/146) وهذا النقل لاتفاق الفقهاء في هذه المسألة فيه نظر، فإن جمهور الحنفية يرون أن المقبوض بعقد ربوي يملك وإن كان واجب الفسخ، وخالفهم شمس الدين السرخسي في هذه المسألة، فوافق الجمهور.