وهذا الكلام القيم من ابن القيم -رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثاني وهو: أنه لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا علم المستفتي أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه لو كان خصماً قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار" متفق عليه.
فالمفتي والقاضي في هذا سواء، ولهذا لا ينبغي للمستفتي أن يعمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن لها نفسه، ولم يسكن لها قلبه، ولو كان هذا المفتي ممن يتصدر للفتوى، كما يدل لذلك الحديث الذي حسنه النووي في أربعينه (ص47) عن وابصة بن معبد -رضي الله عنه- وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "... استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" رواه أحمد في مسنده (4/227)، والدارمي في سننه (2/246)، وبنحو هذا صرح العلامة ابن القيم في الإعلام (6/192-193) وإذا كان هذا في زمانه، فكيف في زماننا الذي كثر فيه المفتون الذين يجرون وراء رخص الفقهاء بحجة المصلحة، أو التيسير على الناس..!! ثم قال كلاماً نفيساً، ما نصه: "ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، وسكون النفس إليها..." أهـ.
وكلامه القيم هذا -رحمه الله- يجرنا إلى التنبيه الثالث.
وهو: أنه لا يجوز للعامي أن يتتبع رخص الفقهاء، لا رخص الشارع، ففرق بين الأخذ برخصة الله تعالى، وبين تتبع رخص خلقه.
فالأول: مندوب إليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" وأما الثاني: فهو محرم بإجماع أهل العلم، كما صرح بذلك الحافظ ابن عبد البر فيما حكاه عنه ابن النجار في شرح الكوكب المنير (4/578) حيث نقل عنه أنه قال: "لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً" أهـ. وقال الإمام أحمد -رحمه الله- (لو أن رجلاً عمل بكل رخصة كان فاسقاً" وقال الإمام الغزالي -رحمه الله- في المستصفى (2/391): (لا يجوز للمستفتي أن يأخذ بمذهبٍ بمجرد التشهي، أو أن ينتقي في كل مسألة أطيبها عنده" أهـ.
وحكى الزركشي في البحر المحيط (6/325) عن النووي أنه سئل: (هل يجوز أن يُقلَّد غير المذهب في رخصةٍ لضرورةٍ ونحوها) فأجاب: (يجوز أن يعمل بفتوى من يصلح للإفتاء إذا سأله اتفاقاً من غير تلقط الرخص، ولا تعمد سؤال من يعلم أن مذهبه الترخيص في ذلك" أهـ.
ومن جليل ما نقل في سدّ ذريعة الترخص، ما رواه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (10/211) بإسناده عن إسماعيل القاضي (ت282هـ) أنه قال: (دخلت على المعتضد (ت289هـ) فدفع إليَّ كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنَف هذا زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر -أي النبيذ- لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها، ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب).
ومما تؤخذ منه العبرة في هذا الباب، ما قاله الإمام ابن الجوزي (ت597هـ) عن نفسه في كتابه الوعظي صيد الخاطر (2/304) ما نصه: "ترخصتُ في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، وتخايل لي نوع طردٍ عن الباب، وبعد، وظلمة تكاثفت فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء؟ فقلت لها: يا نفس السوء! جوابُك من وجهين: