وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد ، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم ولا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ، ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى والله أعلم ))(14).
ثانياً : أن تكون النازلة من المسائل التي يسوغ النظر فيها
بينا فيما سبق أهمية مراعاة المجتهد وتأكده من وقوع النازلة وترك النظر عما لم يقع أو يستبعد وقوعه عقلاً وذلك حتى لا ينشغل أهل الاجتهاد عما هو واقع فعلاً أو ما لا نفع فيه ولا فائدة .
وإذا قررنا مبدأ النظر في الوقائع الحادثة للناس والمجتمعات ؛ فللمجتهد بعد ذلك أن يعرف ما يسوغ النظر فيه من المسائل وما لا يسوغ ؛ وهذا الضابط لا ينفك عن الذي قبله ، وذلك لان المجتهد قد يترك الاجتهاد في بعض المسائل التي لا يسوغ فيها النظر لأن حكمها كحكم ما لم يقع من المسائل لعدم الفائدة والنفع من ورائها فالضابط الذي ينبغي أن يراعيه المجتهد الناظر ألا يشغل نفسه وغيره من أهل العلم إلا بما ينفع الناس ويحتاجون إليه في واقع دينهم ودنياهم .
أما الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدال أو التعالم والتفاصح أو امتحان المفتي وتعجيزه أو الخوض فيما لا يحسنه أهل العلم والنظر ، أو نحو ذلك فهذه مما ينبغي للناظر أن لا يلقي لها بالاً ؛ لأنها تضر ولا تنفع وتهدم ولا تبني وقد تفرق ولا تجمع .
وقد ورد النهي عن ذلك كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : (( نهى عن الغلوطات ))(15).
وجاء عن معاوية رضي الله عنه : أنهم ذكروا المسائل عنده ، فقال : (( أما تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عضل المسائل ))(16).
قال الخطابي ـ رحمه الله ـ في هذا المعني : (( أنه نهي أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا و يسقط رأيهم فيها ، وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسألة ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به ))(17).
فشداد المسائل وصعابها مما لا نفع فيه ولا فائدة إلا إعنات المسئول لاشك أنه مذموم شرعاً ينبغي أن يحذر الفقيه أو الناظر من الانسياق الملهي خلف هذه المسائل والانشغال بها عما هو أهم وأعظم ، كذلك ينبغي للناظر أن لا يقحم نفسه ويجتهد في المسائل التي ورد بها النص إذ القاعدة فيها : (( لا مساغ للاجتهاد في مورد النص ))(18).
والمقصود بهذه القاعدة – على وجه الإجمال – ما قاله الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ أن (( المجتهد فيه وهو كل حكم شرعي عملي أو علمي(19) يقصد به العلم ليس فيه دليل قطعي ))(20).
ويمكن من خلال النقاط التالية إبراز ما يسوغ للمجتهد أن ينظر فيه من النوازل بإجمالٍ :-
1-أن تكون هذه المسألة المجتهد فيها غير منصوصٍ عليها بنصٍ قاطعٍ أو مجمع عليها .
2- أن يكون النص الوارد في هذه المسألة – إن ورد فيها نصٌ – محتملاً قابلاً للتأويل .
3- أن تكون المسألة مترددة بين طرفين وضح في كل واحدٍ منهما مقصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر(21).
4- أن لا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل أصول العقيدة والتوحيد أو في المتشابه من القرآن والسنة .
5- أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل والوقائع أو مما يمكن وقوعها في الغالب والحاجة إليها ماسة(22).
ثالثاً : فهم النازلة فهماً دقيقاً :
إن فقه النوازل المعاصرة من أدق مسالك الفقه وأعوصها حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعات لم تطرق من قبل ولم يرد فيها عن السلف قول ، بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلولٍ علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يوماً من الدهر والله أعلم .