ونوقش: بأن هذا مختص بالكافرين (28).
وأجيب: بأنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك، إنما قال: "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف" وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى (29).
الموازنة والترجيح:
هذه المسألة من أعقد المسائل لقوة أدلة الفريقين وتضاربها في نظر الباحث، وإن كنت أميل إلى القول الثاني، وهو أن تلك العقود معفو عنها وتقر عليها و تملكها بعد التوبة، وذلك لثلاثة أمور:
أولاً: أنه إذا كان العفو عن الكافر لأجل ما وجد من الإسلام الماحي، والحسنات يذهبن السيئات، فهذا المعنى موجود في التوبة عن الجهل والظلم والعصيان، فإن الاعتراف بالحق والرجوع إليه حسنة يمحو الله بها السيئات (30).
ثانياً: أن في عدم العفو عن تلك العقود والقبوض الماضية في حال العصيان تنفيراً عظيماً عن التوبة؛ لما يلزم الداخل فيه من الآصار والأغلال الثقيلة الموضوعة على لسان هذا النبي –صلى الله عليه وسلم- عن التائبين، فإن الأمر برد جميع ما كسبه التائب من الأموال والخروج عما يحبه منها تصير التوبة في حقه عذاباً، وكان الكفر حينئذ أحب إليه من ذلك الإسلام الذي كان عليه، فإن توبته من الكفر رحمة وتوبته -وهو مسلم عذاب- (31)، فإن كثيراً من الفساق أصحاب رؤوس أموال هائلة، وغالبها أو كثير منها من الحرام الفاسد، وقد يكون غير متميز عن الحلال، وقد يكون له مصادر تجارة متعددة، ومطالبته بردها، والتخلص مما قبضه في غاية الصعوبة والمشقة، ولو قيل له: من شرط توبتك أن ترد كل ما كسبته بالحرام ربما نفر عن التوبة، وكان هذا القول معيناً للشيطان عليه، لكن لو قيل له: بأن الله قد غفر لك بتوبتك كل ذنوبك المتعلقة في باب العبادات وباب المعاملات، وعليك بالإقبال على الله من جديد، وترك المعاودة لمثل ما سبق لكان هذا حافزاً ومشجعاً له إلى التوبة ومحاولة تصحيح وضعه الجديد، ويكف عن المعاملة بالحرام، وقد يكون هذا قدوة لآخرين مثله إذا رأوا ذلك منه .
وبهذه الطريقة نكون قد قضينا على كثير من المعاملات الفاسدة التي ربما كانت تستمر لولا القول بالعفو عما سلف مما قبضوه.
وكذلك يقال في الشركات والبنوك ونحوها أن في عدم العفو عن تلك العقود والقبوض قبل إعلان الشركة توقفها عن التعامل بالمحرم تنفير عظيم عن الإقلاع عن التعاملات المحرمة وتنفير عن التوبة؛ لما يلزم الشركة بعد توبتها وإعلان توقفها من الحرام من الآصار والأغلال الثقيلة الموضوعة على لسان النبي –صلى الله عليه وسلم- عن التائبين، فإن الأمر برد جميع ما كسبته الشركة من الأموال الربوية وغيرها، والخروج عما تحبه منها، تُصَيِّر التوبة وإعلان التوقف في حقها عذاباً، وكان الاستمرار على ما كانت عليه في السابق حينئذ أحب إليها من إعلان توقفها، ويضاف إلى ذلك أن التخلص منها أمر في غاية الصعوبة والمشقة، ولو قيل: من شرط توبتها أن ترد كل ما كسبته بالحرام ربما نفرت عن التوبة، وكان هذا القول معيناً للشيطان عليها، بخلاف ما لو قيل للشركة: لا يلزمك الخروج من الأموال الربوية المقبوضة في السابق، ويكون لكِ حلالاً إذا تبتِ، و أعلنتِ بصدق تصحيح وضعكِ من جديد، وتركتِ التعامل بالربا بكل أشكاله وأنواعه، فإن هذا يكون لها حافزاً إلى التوبة و الإعلان عنها، كما قد يكون حافزاً للشركات الأخرى أن تحذو حذوها.
ثالثاً: أننا بهذه الطريقة نكون قد قضينا على كثير من الشركات والبنوك المحرمة والمعاملات الفاسدة التي ربما استمرت على نشاطاتها وتعاملاتها المحرمة لولا القول بالعفو عما قبضوه مما سلف، بخلاف ما لو قيل لها: لابد لكِ – كشرط من شروط التوبة – أن تُخْرِجِي كل ما قبضتِ بالعقود الفاسدة المحرمة ما دمتِ تعلمين حرمتها وكنتِ عاصية بذلك (32)، ربما كان هذا في حقها شاقاً، وربما يترتب عليها خسائر مالية ضخمة كانت التزمتها في السابق، وبالتالي يكون هذا عائقاً لها، ومنفراً عن التوبة، فتحجم الكثير من الشركات عن التوبة بسبب هذا، وهذه نظرة ماراعاً فيها جانب المصلحة الراجحة مقابل المفسدة المرجوحة، قال ابن تيمية: ( ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق ) (33).