تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...) (6).

وقال: ( وقد اتفق الفقهاء على أن البيع إذا وقع بالربا مفسوخ أبدا ) (7).

جاء في سؤال موجهٍ إلى اللجنة الدائمة :

(س: أنا كنت أساهم في البنوك، واستفدت منها بعض الشيء، فإذا هي حرام ونويت التوبة والابتعاد عنها، فهل هذا يكفي أو لا ؟

ج: أولاً: عليك التوبة والاستغفار من ارتكاب جريمة المشاركة في هذا الأمر المحرم، والإقلاع عن ذلك، وسحب مساهمتك عسى الله أن يتوب عليك، فهو سبحانه القائل: "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى" (8).

ثانياً: عليك التخلص من الأرباح التي حصلت لك بسبب هذه المساهمة بصرفها على الفقراء والمساكين) (9).

وقالت في جوابٍ لسؤال آخر:

(إذا تاب العبد من المعاملة الربوية، وهي لا تزال قائمة بينه وبين الناس، فيجب عليه استلام رأس ماله فقط، ويترك الزيادة الربوية؛ امتثالاً لقوله تعالى: "وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ" (10)، وإذا استلم قيمة المعاملة الربوية مع ربحها فيجب عليه تملك رأس ماله الأصلي فقط، والربح الربوي ينفقه في وجوه البر ) (11).

واستدل أصحاب هذا القول بأربعة أدلة:

الدليل الأول:

قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ" (12).

وجه الدلالة من الآية: أن هذه الآية عامة في الجاهل والعاصي والكافر إذا أسلم وغيرهم، تجب عليهم التوبة، ويذرون ما قبضوه من الربا والأموال المحرمة، وليس لهم إلا رؤوس أموالهم.

وقد يناقش: بأن المقصود بالآية هو ما لم يقبض من العقود، فإن غير المقبوض يجب إبطاله وترك ما بقي منه، وليس للعاقد إلا رأس ماله، وليس المراد هو ما قبض من العقود بجهل وتأويل ونحو ذلك، فإن هذه له بقوله تعالى: "فله ما سلف"، أي: من العقود المقبوضة حال العذر.

الدليل الثاني:

استدلوا بحديث عائشة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (13).

وجه الدلالة من الحديث: أن هذا النص عام في العبادات والمعاملات فكل ما وقع منهما على خلاف الشرع يجب رده وإبطاله، والعقود المقبوضة بهذه الحال يجب ردها وإبطالها؛ لدخولها تحت هذا الحديث.

قال الخطابي: (في هذا الحديث بيان أن كل شيء نهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عقد نكاح وبيع وغيرهما من العقود، فإنه منقوض مردود؛ لأن قوله فهو رد يوجب ظاهره إفساده وإبطاله إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر فينزل الكلام عليه؛ لقيام الدليل فيه) (14). قال ابن حزم (ولم يستثن -صلى الله عليه وسلم- عالماً من غير عالم، ولا مكلفاً من غير مكلف، ولا عامداً من غير عامد (15)، والعقود المحرمة ليست من أمر الدين فيجب ردها).

الدليل الثالث:

ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: ((جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :((من أين هذا؟)) فقال بلال : تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع؛ لمطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك : ((أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به)) (16) وفي رواية لمسلم : ((فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا)) (17)

قالوا: إذا أوجبنا فسخ العقود والقبوض على الجاهل المعذور فعلى العالم بالتحريم العاصي أولى وأحرى، فهو عاصٍ ظالم بترك التعلم والالتزام، ولا يلزم من العفو عن الجاهل العفو عن هذا .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٢١١