تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما شراء الذهب ببطاقة الائتمان ، فنظرا إلى أن بطاقة الائتمان تعتبر مبرئة للذمة براءة كاملة بين المتصارفين ، وحق بائع الذهب بموجب بطاقة الائتمان ثابت كثبوت حقه في الشيك المصدق من حيث إن صاحب البطاقة حينما يوقع بموجبها على فاتورة الدفع لا يستطيع الرجوع في توقيعه ، ولا يستطيع مصدر البطاقة أن يتأخر عن سداد القيمة عند الطلب مهما كانت حال صاحب البطاقة ، ونظرا لهذا فإن القول بصحة المصارفة ببطاقة الائتمان قول وجيه يؤيده أن معنى القبض متوفر فيها ؛ حيث يتفرق المصارفان بموجبها وليس بينهما شيء . ومع هنا فالمسألة في حاجة إلى مزيد من النظر والتأمل في ضوء التصور لحقيقة البطاقة الائتمانية . والله المستعان .

ومنها : التعامل بشهادات الذهب أو حسابات الذهب ، وهي شهادات تصدرها مؤسسات متخصصة تخول صاحبها قبض كمية من الذهب ، ولا يلزم أن تكون تلك الكمية معينة منفصلة عن غيرها ، وقد لا تكون موجودة فعلا لدى المؤسسة في كل الأوقات .

هذا التعامل يعني أن أحد الرجال مثلا يشتري كمية من الذهب يجري تسلمه شهادة بها يتسلم بموجبها هذه الكمية من الذهب من مخازن إحدى هذه المؤسسات ، أو من مخازن متخصصة ، لهذه المؤسسة حق التحويل عليها بذلك ، وقد لا يكون الذهب موجودا في هذه المخازن وقت المصارفة .

الذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا النوع من المصارفة لا يتحقق فيه معنى التقابض في مجلس العقد لأمرين : أحدهما : أن المؤسسة المتخصصة في إصدار شهادات الذهب ليس لشهاداتها اعتبار موجب للثقة كالثقة في الشيك المصدق ، حيث إن مشتري الذهب لا يستطيع التصرف فيما اشتراه في مجلس العقد ، للاحتمال القوي في بعد هذه المخازن عن قدرته على حيازة ما اشتراه . الثاني : أن وجود الذهب في المخازن المختصة مشكوك فيه ، فقد يكون موجودا وقد لا يوجد إلا بعد وقت لا يعلم تحديده ، فيطلب من المشتري الانتظار ، والرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر من عناصر المصارفة وصحتها التفرق بين المتصارفين وليس بينهما شيء . وهذا العنصر مفقود في هذه المصارفة ، فضلا عن أن التقابض في مجلس العقد مفقود حسا ومعنى . وتأسيسا على هذا فلا يظهر لي جواز هذا النوع من المصارفة لفقده شرطها . والله أعلم .

ومنها : حكم شراء أسهم شركة تعمل في استخراج الذهب وتعد أكثر أصولها منه ، هل يمثل السهم حصة شائعة في الذهب ؟ هل لذلك تأثير على حكم التعامل بأسهمها ؟

لا يظهر لي مانع من شراء أسهم في شركة تعمل في استخراج الذهب ولو كانت غالب أصولها من ذلك الذهب ؛ وذلك لأن الشركة شخص اعتباري له ذمة محدودة ذات وعاء قابل للحقوق والواجبات والتملك والتبرع والإلزام والالتزام وغير ذلك من التصرفات المالية . فأسهم هذه الشركة حصص شائعة في عموم مقوماتها وعناصر وجودها . ومن هذه العناصر والمقومات قيمتها المعنوية المتمثلة في اعتبارها ومكانتها في سوق الشركات وأسواق الإنتاج . وقد تكون قيمة الجانب الاعتباري للشركة أكثر حجما من قيمة ما لديها من أصول متحركة ، كما أن للشركة أصولا ثابتة للإدارة والتشغيل غير الذهب . فسهم الشركة ليس محصورا في كمية الذهب الذي تقوم الشركة باستخراجه ، حتى يقال بمراعاة شروط الصرف ، وإنما تمثل أسهمها كامل عناصر وجودها ، والسهم فيها حصة مشاعة في عموم مقومات الشركة واعتبارها ، فمن يشتري سهما أو أكثر من أسهم هذه الشركة لا يعتبر نفسه قاصدا شراء كمية من الذهب المستخرج . فالذهب المستخرج مادة متحركة يخرج اليوم ويباع غدا ويخرج غيره بعد ذلك ، ويستمر نشاط الشركة في هذا السبيل على هذا الاتجاه ، ولكنه يقصد الدخول في المساهمة في هذا النشاط ، وفي هذه الحركة الإنتاجية والصناعية ، والاشتراك في تملك الاختصاص في ذلك . ومن القواعد الشرعية أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا . ألا ترى أن تملك الشركات المساهمة سيولة من النقود ووجود ديون لها أو عليها وانتفاء الوضوح الكامل لموجودات الشركة مما يعطي نوع جهالة ، كل ذلك يغتفر ولا يؤثر في صحة تداول أسهم الشركات بيعا وشراء وتمليكا حيث يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١١٤٤