ونحنُ أيَّها المؤمنَ قد تبين لنا الهُدى في كتاب ربنا, وسنةِ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وتاريخِ أمتنا المجيد, وواقعِ حياتنا المُؤلم, وممارساتِ عدونا البغيض, فعلامَ الشِقاقُ, وإلامَ الخلاف.
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين:
أيَّها المؤمنون : إنَّ الفرق بين النقاشاتِ التي كانت تدورُ بين علماءِ الأمة وأسلافها الصالحين, وبين جدلِ فئاتِ المجتمع وكتبته, ومتحاوروه اليوم, هو أنَّ علماءَ الأمةِ كلُهم ينطلقون من نص الوحي ويعودونَ إليه, ويكونُ الخلافُ بينهم في فهمه, أمَّا الآنَ فيختلفون أيرجعون إلى النص أم إلى غيره من معطياتِ العالمِ الحر كما يقولون, يقولُ عزَّ وجل (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) (النساء :59) .
لنا أن نختلف, ويُمكن أن تتباين أفها مُنا ووجهاتُ تفكيرنا, وأطروحاتنا الثقافية, ولكن المرجعيةَ النهائية التي نرجعُ إليها, وتصدرُ عنها آراءَنا, والميزانَ الذي نزنُ به مقدارَ الصوابِ والخطأ فيما ذهبنا إليه, هو كتابُ الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ليبقى كتاب الله منهجنا, على ما يطرأُ على الحياة من مشكلاتٍ ومستجدات أبد الدهر, ولا تكونُ الأمةُ مؤمنةً بربها ولا مسلمةٌ له, إلاَّ إذا احتكمت إلى كتاب اللهِ وسنة رسوله, في كل خلافاتها ونزاعاتها, وليس للمتحاورين إيمانٌ ولا إسلام, إلاَّ إذا اتخذوا منهما حكماً, منطقهم ورأيهم يقول عز وجل: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) (النساء:65) .
ومرةً بعد مرة تجدُنا أمامَ شرط الإيمان وحد الإسلام, يقررُهُ الله بنفسه, ويقسم عليه بذاته, لا إيمانَ إلا بإذعان, ولا إسلامَ إلا باستسلام, ولا يكفي أن يتحاكمَ المتحاورون والمتناقشون إلى الإسلام, بل لابدَ أن يصحب ذلك رضى نفسي، وقبولٌ قلبي, واعتزازٌ وفخرٌ بمنهجِ الإسلام وثقافتهِ وأحكامه, ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )) (الأحزاب : 36) .
واعلموا أنَّه لما كان الاحتكامُ إلى الله ورسوله, والتسليمَ لهما, والرضى بهما, هو شرطُ الإيمانِ وعلامةُ الإسلام, فإنَّ أيِّ نفساً تأبى ذلك, وتُعرضُ عنه, وتجادلُ فيه, فإنَّما هي نفسُ منافقٍ مغموس في النفاق, متوعدٌ بأشدِّ العذاب, يقول عز وجل : (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) (النساء : 115) .
فالذين يخرجُون على المسلمين بقضايا تُخالفُ سبيلهم الذي جاء به الإسلام, إنَّما يشهدون على أنفسهم بالكفرِ الصريح والردةِ الغليظة, وإنَّما يحدثُ نتيجةً لكُرهِ ما أنزلَ اللهُ من أحكامٍ, فتجدُهم يكرهون حدودَ الإسلام, ويضيقون بها ذرعا, فيسوقهم ذلك إلى إثارةِ الشُبهات, وبعثِ النقاشات, ولذلك كان كُرهُ ما جاء به اللهُ باباً من أبوابِ الكُفر, كما ذكرَ ذلك الشيخُ ابن عبد الوهاب .
أيَّها المؤمنون : إنَّ المنحى الذي يتجُهُ كثيرٌ من الطرح الثقافي, المتجرئُ على أحكام الدين منحاً خطير, له وثيقُ العلاقةِ بحقيقةِ الإيمان, فإنَّ الله عز وجل قد نزَّل علينا أنَّه لا إله إلا هو, ومعنى ذلك أنَّ شرائعه التي سنَّها للناس بمقتضى أو لوصيتهِ لهم وعبوديتهم له, وعاهدهم على القيامِ بها, هي التي يَجبُ أن تحكُم حياتهم ويرضوا بها ويفخروا بتمثلها, لا هوادةَ في هذا الأمرِ, ولا ترخُصَّ في شيءٍ منه, ولا انحرافَ عن جانبٍ وصغير، إنَّه لا عبرةَ بما تواضع عليه جيل، أولما اصطلح عليه قبيل، أو لما توا ثق عليه نظام عالمي جديد أو قديم, لا وزنَ لشيءٍ من ذلك ما لم يأذن به الله, ولم يُقرهُ كتابهُ ولا سنةَ رسوله صلى الله عليه وسلم, والمسألةُ في هذا ليست مسألةَ انفتاحٍ أو انغلاق, تحررٍ أو انحباس, إنَّها مسألةُ إيمانٍ وكفر, إسلامٌ أو جاهلية, شرعٌ أو هوى، فلا وسطَ في هذا الأمرِ ولا صُلح ولا هُدنة, فالمؤمنون هم الذين يدعُون إلى شرعِ الله وكتابه, والتزامَ أخلاقه وآدابه, والكافرون الظالمون الفاسقون والمنافقون, هم الذين يدعون إلى غيره, وينادون بما سواه, ويدفعون الأمةَ في اتجاهٍ يُعاكسه .