الإجابة:
أجيب عن المناقشة بما يلي:
عدم التسليم بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة، بل إنهم بحثوها إلا أنهم لم يُلِحُوا عليها، ولم يتوقفوا عندها كثيراً؛ لكونها في نظرهم من مسلمات الفقه، إذ هي مشمولة بعموم نصوص القرآن والسنة في تحريم الربا، ومنه: الزيادة في الدَّين مقابل التأخير (57).
وبياناً لذلك يقال: إن الفقهاء من خلال استقراء كلامهم في المماطلة، وما يشابهها من أحكام، يظهر أنهم لا يرون التعويض المالي مقابل تأخر المال، وأن المماطل ليس عليه إلا أداء المال لصاحبه، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يستحق به غلة المال، وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: أن أكثر العلماء فسروا العقوبة في الحديث: بأنها الحبس، وقد فسرها بذلك وكيع، وسفيان الثوري، وابن المبارك.
قال ابن المنذر:" أكثر من نحفظ قوله من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدَّين، وممن نحفظ ذلك عنه: مالك، وأصحابه، والشافعي، والنعمان، وأصحابهما، وأبو عبيد ، وبه قال سوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وقد روينا هذا القول عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز يقول:" يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس" (58).
وقال الجصاص: " جعل مطل الغني ظلماً، والظالم لا محالة مستحق للعقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره " (59).
وقال ابن تيمية: " يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا أعلم في هذا خلافاً " (60).
وقال أيضاً:" ولو كان قادراً على أداء الدَّين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره، إذا لم يتعد حدود الله " (61)، والقول بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة في الديون تعدٍ على حدود الله، فيمنع منه؛ لأنه ربا.
فظهر بما سبق أن السابقين يرون زجر المماطل بالعقوبات الرادعة، وهم متفقون على عدم القول بجواز التعويض المالي للدائن على مدينه المماطل؛ إذ لو قيل به لنقل، فالقول بالتعويض اجتهاد جديد في مقابلة هذا الاتفاق (62).
قال الدكتور أحمد فهمي أبو سِنَّة: "لم يقل أحد من العلماء بتغريمه – أي المماطل- مالاً، فالفتوى بأن المدين تجوز عقوبته بتغريم المال....اجتهاد جديد في مقابلة الإجماع" (63).
ثانياً: أن الفقهاء تكلموا عن مسائل - أشد من المماطلة في الديون - تُمنَعُ فيها الأموال عن أصحابها أزماناً طويلة ظلماً وعدواناً، ولم يوجبوا فيها إلا ضمان المثل، ككلامهم في الأموال المسروقة، والمغصوبة، وأموال الأمانات المعتدى عليها، وربح المال المغصوب، فيقاس عليها تضمين المماطل رأس المال فقط وعدم تغريمه من باب أولى.
ومن أقوال الفقهاء في المال المغصوب ما يلي:
قال في الهداية: " ومن غصب شيئاً له مثل، كالمكيل والموزون، فهلك في يده، فعليه...ضمان مثله...؛ لأن الواجب هو المثل" (64).
وقال في المعونة: " الشيء المغصوب مضمون باليد، فمن غصب شيئاً فقد ضمنه إلى أن يرده، فإن رده كما غصبه، سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله " (65).
وقال في (روضة الطالبين): " ما كان مثلياً ضمن بمثله" (66).
وقال في (المغني):" وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير....ضمن بمثله بغير خلاف" (67).
ومن أقوالهم في المال المسروق ما يلي:
قال ابن المنذر: " وأجمعوا أن السارق إذا قطع ووجد المتاع بعينه، أن المتاع يرد على المسروق منه " (68).
وقال في الكتاب:" إذا قطع السارق والعين قائمة في يده، ردَّها " (69).
وقال في المعونة:" إذا قطع السارق ثم وجد الشيء المسروق عنده، لزمه رده إلى مالكه"(70).
وقال في الأم: " أُغرِم السارق ما سرق، قطع أو لم يقطع، والحد لله فلا يُسقِط حدُّ الله غُرمَ ما أتلف للعباد" (71).