ورواه يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه كان على أبيه أوسق من تمر فقلنا للرجل خذ من نخلنا بما عليه فأبى فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمر فدعا لنا بالبركة فيها فذذناها فأعطينا الرجل كل شيء كان له وبقي خرص نخلنا كما هو فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال أخبر بذلك عمر فأخبره فقال قد علمت أنه يبارك فيها حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأجاز عليه الصلاة والسلام الصلح من غير علم بمقدار ما كان عليه وبغير علم مقدار ما سألوا أخذه عمالهم فدل على أن جهله بمقدار المصالح عنه وجهله بمقدار ما وقع الصلح عليه عما صولح عنه لا يمنع صحته
1893 - فيمن قال قد صالحتك على كذا على أن تدفعه إلى
أبو حنيفة ومحمد أراد إذا كان عليه ألف درهم حاله فقال له ادفع إلي منها خمسمائة درهم غدا على أنك بريء من الفضل فهو بريء من الفضل إن دفع إليه وإن لم يدفع إليه الخمسمائة غدا عادت عليه في قول أبي حنيفة ومحمد
وقال أبو يوسف لا يعود عليه وإن اشترط عليه إن لم يوافه اليوم بالخمسمائة فعليه الألف بمضي اليوم قبل أن يعطيه فإن عليه ألفا في قولهم جميعا
وقال مالك إذا قال اشهدوا أنه إن أعطاني مائة درهم عند رأس الشهر فالتسعمائة له وإن لم يعطني فالألف كله عليه فلا بأس بذلك وهو كما قال
وعند الشافعي الصلح كالبيع وهذا مخاطرة فلا يجوز
1894 - في الصلح عن الغير
إذا صالح عن الغير فيما يدعى عليه والمطلوب مقر ومنكر وإن ضمن لزمه وإن لم يضمن فهو موقوف على المطلوب إن أجاز جاز ولزمه وكذلك لو صولح عنه بأمره لم يلزم المصالح ولزم المطلوب
وذكر أبو جعفر عن محمد بن العباس عن علي عن محمد لو قال أصالحك على مائة من مالي كان ضامنا لما صالح عليه قال وهو قولهم جميعا
وذكر عيسى بن أبان عن إسماعيل بن حماد وعن محمد بن الحسن أنه لو صالحه على هذه المائة درهم وهي قائمة في يده كان لصلحه على مائة من ماله أو على مائة هو لها ضامن
وقال مالك إذا صالحه من حقه الذي له على فلان على كذا ولم يقل أنا ضامن فهو ضامن سواء قال هو ضامن أو لم يقل
وقال الشافعي في المزني إذا صالح رجل عن رجل بشيء جاز عنه
الصلح وليس للذي أعطى عنه أن يرجع عليه لأنه تطوع به وذكر الربيع عنه أنه إذا صالحه على عبد بعينه ثم استحق لم يكن له على المصالح الأجنبي شيء
1895 - في الصلح عن الوصية بالغلة ونحوها
قال أصحابنا إذا أوصى له بخدمة عبد أو سكنى دار أو غلة عبده أو بما في بطن أمته فصالحه الورثة على دراهم مسماة في ذلك فهو جائز ولو باع ذلك منهم معا لم يجز
وقال مالك يجوز صلحهم على ذلك على الغلة والسكنى والخدمة وغلة النخل ولا يجوز عما في البطن لأن مرجع النخل والدار والعبد إلى الورثة وفي الحمل لا يرجع إلى الورثة منه شيء
وقياس قول الشافعي أنه لا يجوز شيء من ذلك لأن الصلح كالبيع ومع ذلك لا يجوز
1896 - في الصلح من دم العمد
قال أصحابنا في دم عمد بين رجلين صالح أحدهما من نصيبه على دراهم فهو جائز وليس لأخيه فيها شيء
وقياس قول مالك وقول الشافعي أنه يشاركه
1897 - في الصلح وقتل الخطأ
قال أبو حنيفة إذا صالحه من دم الخطأ على مائة بعير أو ألف دينار فهو جائز
وعند أبي يوسف ومحمد يجوز أيضا على ألفي شاة أو مائتي بقرة أو مائتي حلة وإن صالح على أكثر مما قدر في الدية من ذلك لم يجز فإن قضى القاضي بالإبل ثم صالحه على دراهم مثل قيمتها أو أكثر مما يتغابن الناس فيه فهو جائز لأنه لو جاء بقيمتها قبلت منه وإن صالحه على أكثر من قيمة بما لا يتغابن فيه لم يجز وإن صالحه من الإبل على بقر أو غنم فإن كانت بعينها جاز وإلا لم يجز
وقال مالك إن جنى رجل من أهل الإبل فصالح عاقلته أولياء الجناية على أكثر من ألف دينار جاز وإن عجلها
1898 - في الحط عن المتغيب
قال بشر عن أبي يوسف إذا تغيب المطلوب حتى حط بعض المال ثم ظهر بعد فالحط جائز في قول أبي حنيفة
وقال ابن أبي ليلى له أن يرجع فيما حط عنه لأنه تغيب عنه
قال أبو يوسف وبه نأخذ
وقال أبو جعفر لم نجد هذه الرواية عن أبي يوسف إلا في هذا
الموضع وقول المشهور أنه جائز كقول أبي حنيفة ومحمد
وقال مالك إذا تغيب شهود الطالب وجحده المطلوب فصالحه على بعض الدين وأشهد في السراية صالحه لأنه جحده فالحط جائز
وقال الشافعي إذا تغيب المطلوب فحط بعض دينه وأخذ الباقي ثم قال إنما حططت المتغيب فليس له أن يرجع فيما حط لأن هذا ليس في معنى الإكراه
قال أبو جعفر اتفقوا أنه لو ماطله فصالحه لأجل المطل كان الحط جائزا كذلك التغيب
1899 - في التحكيم
قال أصحابنا إذا حكما رجلان بينهما رجلا لكل واحد منهما أن يرجع في ذلك مالم يمض الحكومة فإذا أمضاها بينهما فليس لواحد منهما أن يرجع فيها وينبغي للقاضي حين يرفع ذلك إليه إن كان يوافق الحق عنده أن يمضيه وإن كان لا يوافق رأيه ورأى الحق غيره رده وحملهما على رأيه دون رأي الحكم
وقال ابن أبي ليلى حكم الحكم جائز عليهما
وقال ابن شبرمة إذا حكم الحكم بينهما فلكل واحد منهما أن يبطله ما لم يرضيا بعد الحكم
وقال مالك إذا حكما بينهما رجلا جاز حكمه عليهما فإن رفع إلى قاض لم يبطله إلا أن يكون خطأ بينا وإن حكماه وأقام البينة عنده ثم بدا لواحد منهما أن يحكم فقال لا يحكم شيئا فإني أرى أن يقضي بينهما ويجوز حكمه
وقال الحسن بن حي إذا جعلا بينهما حكما وأقر أن ما قضى به فهو جائز عليهما فليس لهما أن يرجعا في حكمه هو بمنزلة القاضي
وقال الليث إذا حكم بينهما لم يرد حكمه إلا الإمام
وقال الشافعي إذا حكم بينهما ثم ارتفعا إلى قاض فرأى خلاف حكمه فلا يجوز في ذلك إلا بواحد من قولين إما أن يكون في معنى القاضي فلا يفسخ منه إلا ما يفسخ على قاض غيره أو أن يكون حكمه كالفتيا فلا يلزم واحد منهما
قال أبو جعفر لا يختلفون أنه ليس لواحد منهما أن يرجع بعد إمضاء الحكم دون القاضي فدل أن الحكم قد لزمهما فالحاكم عليه أن يمضي عليهما ما كان لازما لهما قبل ذلك فدل على أنه لا يفسخه بوجه كقضاء القاضي
1900 - في تحكيم المرأة
قال أصحابنا يجوز تحكيم المرأة وقالوا لو استقضت جاز قضاؤها فيما يجوز فيه شهادتها
وذكر ابن سماعة عن محمد أنه لا يجوز تحكيم من لا تجوز شهادته كالعبد والمحدود في القذف والصبي والذمي والمرأة
وروي أيضا عن ابن سماعة عنه أنه لا يجوز تحكيم المرأة
وقال مالك يجوز تحكيم المرأة وينفذ حكمها ما لم تأت جورا أو خطأ قال مالك وكانت الشفاء أم سليمان بن حتمة على السوق في زمن
عمر رضي الله عنه كان ولاها إياه وصاحب السوق فلا بد أن يقضي بين الناس
قال أبو جعفر قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤم أمير في إمارته فدل على أن الإمامة في الصلاة للولاة دون غيرهم فلما لم تكن المرأة إماما للرجال دل على خروجها ممن يصلح أن تكون أميرا فلا يجوز أن تكون قاضيا ومن لم يصلح أن يكون قاضيا لم يصح أن يكون حكما
آخر كتاب الصلح