تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يخيبون آمالها من هذا القبيل ولكل شيء وقت، والتاريخ مملوء من هذه

النظائر.

ويذكر الذاكرون أن نابليون قد انكسر مرارا بجيشه المجرب في أسبانية،

حيث حاربه هناك شراذم من الرجال عام 1808، وكانوا يجرون في مكافحته على

نفس الخطة التي يجري عليها الريفيون مع الفرنسويين اليوم، وثورة البورس على

إنكلترا هي مثال آخر من تلك الأمثلة، ومثل هذا يقال عن الفتنة في بنجاب من

بلاد الهند [3] ، ومن المعلوم أن تملك المستعمرات البعيدة الشقة هو الآن من

الكماليات الموجبة لباهظ النفقات التي تستكبرها أغنى الدول وأقواها.

وقد أصبح الناس في تلك المستعمرات غيرهم بالأمس، فهم يعرفون تاريخ

بلادهم وتاريخ الدولة التي تسيطر عليهم، ويدركون حقوقهم وواجباتهم، خذ مثالا

لذلك عبد الكريم الذي تلقى العلوم في أسبانية وغيرها، وعاد إلى بلاده ينشر ما

استنتجه من ذلك بين أبناء قومه، فالعلوم التي تلقنها كانت بمثابة سلاح قاطع في

أيدي التلاميذ ضد معلمهم، وعبثا تحاول فرنسة قمع العصيان وإطفاء نائرة الفتنة،

فهي وإن استطاعت ذلك (وهو فيما نرى بعيد) فإنها لم تستأصل أسباب الخروج

وبواعث النواة التي بثها عبد الكريم بين مواطنيه.

وانغلاب العرب في الكفاح ليس من الأمور التي يعبأون بها، فهم إن انهزموا

اليوم يعودون في الغد إلى المناجزة أوفر نشاطا وأكثر إقداما، وما يشيعه ذوو

الأغراض من أن عبد الكريم يقصد بتوجيه حملاته على المنطقة الفرنساوية خدع

الأسبانيول الذين يطمع في إخراجهم من البلاد هو من الأقوال العارية عن الصحة؛

لأن عبد الكريم غير مبال الآن بالمنطقة الأسبانية؛ لأنه يدرك قوة تحصين الأسبان

بعد تراجعهم إلى الوراء، وهو أعقل من أن يهاجمهم في هذا الحين.

فغرض عبد الكريم الحقيقي هو توجيه ضربة شديدة إلى فرنسة حتى إذا بطش

بجيشها يثير عواطف الشعوب والقبائل المراكشية، ويحملها بفوزه على مناصرته،

وحينئذ يحشد من الجيوش ما يمكنه من توجيه الضربات الشديدة إلى فرنسة

وأسبانية معا، ومن أجل هذا أقول: إنه ما لم تقو فرنسة على إنزال أشد العقاب

بعبد الكريم بالأسرع الممكن، تكون خسارة فرنسة في مراكش عظيمة وسقوط

مهابتها في عيون أهل البلاد سريعا للغاية؛ لأن عبد الكريم يذيع أنباء انتصاراته في

طول البلاد وعرضها لكي يحمل أهل البلاد على اعتقاد أن سحق فرنسة وأسبانية في

مراكش ليس من الأمور المحتملة فقط بل من الأمور المقررة.

ويجب أن لا ننسى أن المراكشيين إذا حاربوا بعدد قليل من الرجال لا يكون

ذلك ناتجا عن عدم وجود الرجال عندهم، بل عن عدم وجود الأسلحة، على أن

كفاحهم بالقليل من الرجال يزيل سوء نتائج هذه الحاجة فإن المراكشي إذا حارب

يندفع بشجاعة أو بالحري يتناسى الخوف، والمراكشي الذي يرى رفيقه مجندلا في

ساحة القتال لا يرتاع ولا يلوي إلى الفرار بل يأخذ مكانه.

والأسلوب الحربي الذي يتمشى عليه عبد الكريم هو أن يتراجع بينما يكون

العدو متقدما، حتى إذا وقف العدو عن التقدم يشرع هو ورجاله في اصطياد رجال

العدو واحدا بعد آخر، وهو فن يحسنه العرب أكثر من كل شعب آخر، ومن

الصعب جدا إطلاق الرصاص على المراكشيين؛ لأنهم لا يحاربون مجتمعين بل

أفرادا أو أزواجا يتحركون على الدوام، بينما الفرنساويون أو الأسبانيون يزحفون

جماعات تكون أفضل هدف لرصاص عدوهم.

إن المقاتل العربي الفارس لا يشق له غبار ولا يصطلى له بنار، فهو يهجم

كالمارد على صفوف الأعداء إلى أن يصير على مسافة 1500 إلى 2000 متر،

ويطلق نيرانه وهو مثابر على الجولان، وهو على الغالب لا يخطئ المرمى حتى

إذا قضى وطرا يكر راجعا؛ ليعبئ بندقيته من حيث تطيش طلقات الأعداء

المصوبة عليه فلا تصل إليه، وغني عن البيان أن الطيارات والمدافع لا نفع منها

في هذه الولايات، ولا توجد هناك مدن أو حصون ليضربها العدو ويستولي عليها،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٦٦