وفي رأيي أن فرنسة لا تقوى على مواجهة عبد الكريم بما يصون ماء وجهها
في العراك بأقل من أربعين إلى خمسين ألف جندي، ومن المعلوم أن عجز فرنسة
عن مناهضة عبد الكريم وصد هجماته قد أوجدت تأثيرا سيئا في نفوس القبائل التي
لا تزال موالية لها، والتي قد تنقلب إلى أعداء في أقل من ارتداد الطرف كما قد
وقع لأسبانية، فإذا جرى هذا يصبح موقف فرنسة في تلك الأرجاء حرجا كبير
الخطر.
وأنا أعتقد أن فرنسة قد ارتكبت خطأ فظيعا في غض نظرها عن النكبات التي
لحقت بأسبانية في مراكشها مدة خمس عشرة سنة، فهي فيما أظن قد اعتقدت أن
عبد الكريم بالرغم مما أحرزه من الانتصارات على أسبانية لا تحدثه نفسه بمهاجمة
فرنسة، ففي هذا لم تكن ذات نظر بعيد، وقد كان من حقها أن تدرك أن سكرة
النصر التي قد تتملك عبد الكريم تحمله يوما من الأيام على التمادي في إبعاد كل
الأجانب عن بلاده - وهكذا يهاجم فرنسة - تلك أمور قد أدركها كثيرون من زمن
طويل، وأما فرنسة فقد عجزت عن إدراكها.
وإنني على ما يدعيه بعض الفرنساويين من أن العرب يكرهون الأسبانيين
أقول عن اختبار: إنهم يكرهون الفرنساويين أضعاف ذلك، نعم إنهم كانوا يبدون
احتراما أكثر لفرنسة، ولكن ذلك الاحترام ناتج عن خوف لا عن حب، فالعرب
كما لا يخفى لا يحترمون سوى القوة، وبما أنهم كانوا إلى اليوم يعتقدون أن فرنسة
في مراكش أقوى منهم بالشيء الكثير لم يفكروا في مهاجمتها، وعلى هذا أقول: إن
الفتنة الحالية منظورا إليها من كل الجهات هي من الحركات العظيمة الأهمية، وقد
تكون أهميتها في هذا الحين غير بادية للعيان إلا أن المستقبل مخيف.
ويمكنني أن أدعي بعض العلم بالخطط التي رسمها عبد الكريم لنفسه،استقيت
ذلك من صديق لي اسمه خوزي دياز، وهو من الناس القلائل الذين زاروا عبد
الكريم في منزله بأكسدير، علمت من هذا الصديق وغيره أن عبد الكريم يفاوض
على الدوام زعماء العالم الإسلامي في كل مكان في العالم، وغرضه من ذلك إيجاد
حركة عدائية ضد كل الدول المسيحية التي تحتل بلدانا إسلامية، وعبد الكريم يعتمد
في خلق ما يلزمه من القوة على تعصب العرب الديني وهو يؤجج نيرانه ليبلغ من
ذلك مناه في طرد أسبانية وفرنسة من مراكش [2] ودعاية عبد الكريم مبثوثة بين
جميع القبائل تدعوهم إلى مناصرته للبطش بالطامعين بأراضي الإسلام، وتؤكد لهم
أنه سيقذف بهم جميعا إلى البحر.
ومما هو جدير بالذكر أن عبد الكريم ليس بطلا مجربا فقط فقد حدثته في
مواضع كثيرة وحدثه غيري كثيرون، فهو رجل واسع الاطلاع وفيه ذكاء ودهاء
وتعقل بمقدار يندر وجود مثله في رجل واحد، والرجل يعتقد أن عليه واجبا وطنيا،
وهو يعرف كل الحوادث المتعلقة بمدة السبعمائة سنة التي سيطر فيها العرب على
أسبانية، وهو وأخوه الذي تلقى فن الهندسة في مدريد قد جالا في كثير من البلدان
المتمدنة، وسكنا زمنا طويلا في جنوبي أسبانية.
وفي مدة إقامة عبد الكريم في ذلك الجانب من أسبانية شاهد آثار أمجاد العرب
الباقية في كل مكان من تلك البلاد، ولا سيما في غرناطة، فأثر ذلك فيه أيما تأثير،
وولد فيه نزوعا إلى محاولة استعادة أمجاد الأجداد، وهو أمر نبيل يشكر عليه
الرجل مهما قيل عن مساوئه وأخطاره، وقد بث هذه الدعوة العربية في كل مكان
بواسطة المشايخ والأئمة الذين يتجولون من مكان إلى آخر، ولهم سلطة معروفة
على العامة.
وقد لقب عبد الكريم نفسه منذ زمن بعيد برئيس جمهورية الريف حتى إنه
ألف وزارة وهو طامح إلى توحيد كل القبائل والشعوب التي هي من جنسه تحت
هيئة حكومة منظمة، ومعلوم أن فرنسة حسب الظاهر لا تحسب حسابا كبيرا لفتنة
الريفيين، ولعلها تصبر إلى أن يهب كل سكان مراكش لمناهضتها قبل أن تدرك
وتعترف بأن الحالة موجبة للخوف والاحتساب، على أن المراكشيين فيما أعتقد لا