تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ببعض تصرف (ثم إن النصارى نكثوا العهود، ونقضوا الشروط عروة عروة إلى

أن آل الحال لحملهم المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة، بعد أمور وأسباب

أعظمها وأقواها عليهم أنهم قالوا: إن القسيسين كتبوا على جميع من كان أسلم من

النصارى أن يرجعوا قهرا للنصرانية، ففعلوا ذلك وتكلم الناس ولا قوة لهم، ثم

تعدوا إلى أمر آخر وهو أن يقولوا للمسلم: إن جدك كان نصرانيا فأسلم فلترجع

نصرانيا، ولما فحش هذا الأمر قام أهل البيازين على الحكام وقتلوهم، وهذا كان

السبب للتنصر قالوا: إن الحكم خرج من السلطان من قام على الحاكم فليس إلا

الموت إلا أن يتنصروا بالجملة، فإنهم تنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة، وامتنع

قوم من التنصر واعتزلوا النصارى فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك

منها بلفيق وأندرش وغيرهما، فجمع لهم العدو الجموع واستأصلهم عن آخرهم

قتلا وسبيا، إلا ما كان من جبل بللنقة فإن الله تعالى أعانهم على عدوهم، وقتلوا

منهم مقتلة عظيمة، مات فيها صاحب قرطبة وهو ألونزو دواغيلار، وأخرجوا

على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من أموالهم دون الذخائر.

ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين، يعبد الله في خفية

ويصلي، فشدد عليهم النصارى في البحث حتى إنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك،

ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلا عن غيرها من الحديد، وقاموا في

بعض الجبال على النصارى مرارا، ولم يقيض الله تعالى لها ناصرا، إلى أن كان

إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام [2] سبعة عشر وألف، فخرجت

ألوف بفاس وألوف أخر بتلمسان من وهران وجمهورهم خرج بتونس، فتسلط

عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد

تلمسان وفاس ونجا القليل من هذه المضرة.

وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها

الخالية وبلادها، وكذلك بتطاون وسلا وفيجة الجزائر، ولما استخدم سلطان

المغرب الأقصى منهم عسكرا جرارا، وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر

ما هو مشهور الآن، وحصنوا قلعة سلا، وبنوا بها القصور والحمامات وهم الآن

بهذا الحال، ووصل منهم جماعة إلى القسطنطينية العظمى، وإلى مصر والشام

وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصف، والله وارث الأرض

ومن عليها، وهو خير الوارثين) انتهى.

-----------------

<span class="footnote">

(1) لعل الأصل: ولا يحمل علامة إلخ أو - ولا يجعل له علامة كما يجعل لليهود اه , مصححه.

(2) لعل أصله: أي عام.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٦٢