12.108
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له " يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، وقوله: ﴿ وسبحان الله ﴾ أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبه أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا
تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا
[الإسراء: 44].
12.109
يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من (الرجال) لا من (النساء) وهذا قول جمهور العلماء، وزعم بعضهم أن (سارة) امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران، أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله:
وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه
[القصص: 7] الآية، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى عليه السلام، وبقوله تعالى:
وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نسآء العالمين
[آل عمران: 42]، وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك ويبقى الكلام في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة - وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن الأشعري عنهم - أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن (صديقات)، كما قال تعالى مخبرا عن (مريم بنت عمران):
وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام
[المائدة: 75]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام فهي صديقة بنص القرآن, وقال الضحاك عن ابن عباس في الآية: أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم، وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى:
ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق
[الفرقان: 20] الآية، وقوله تعالى:
وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين
[الأنبياء: 8]، وقوله: ﴿ من أهل القرى ﴾ المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعا وأخلاقا، وقوله: ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿ فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ أي من الأمم المكذبة للرسل كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، كقوله:
أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ
[العنكبوت: 46] الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه ولهذا قال تعالى: ﴿ ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ﴾ أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة، وهي خير لهم من الدنيا بكثير، وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: ﴿ ولدار الآخرة ﴾ كما يقال: صلاة الأولى ومسجد الجامع.