12.70-72
لما جهزهم وحمل معهم أبعرتهم طعاما أمر بعض فتيانه أن يضع ﴿ السقاية ﴾ وهي إناء من فضة من قول الأكثرين، وقيل: من ذهب، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد، وعن ابن عباس: ﴿ صواع الملك ﴾ قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان للعباس مثله في الجاهلية، فوضعها في متاع (بنيامين) من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: ﴿ أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ ، فالتفتوا إلى المنادي، وقالوا: ﴿ ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ﴾ أي صاعه الذي يكيل به، ﴿ ولمن جآء به حمل بعير ﴾ وهذا من باب الجعالة، ﴿ وأنا به زعيم ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة.
12.73-76
لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة قال لهم إخوة يوسف: ﴿ تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ﴾ أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة، إنا ﴿ ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين ﴾ أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان: ﴿ فما جزآؤه ﴾ أي السارق إن كان فيكم ﴿ إن كنتم كاذبين ﴾ أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ ﴿ قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ﴾ ، وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي فتشها قبله تورية، ﴿ ثم استخرجها من وعآء أخيه ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزامهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه ويرضاه لما فيه من الحكمة والمصلحة والمطلوبة، وقوله: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، وإنما كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿ نرفع درجات من نشآء ﴾ ، كما قال تعالى:
يرفع الله الذين آمنوا منكم
[المجادلة: 11] الآية، ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾. قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل. عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله، فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت، الله العليم فوق كل عالم، يكون هذا أعلم من هذا وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم، وقال قتادة: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود.