تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ إلى قوله: ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ أي يقولون: ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذورا إلى قوله: ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ قال في اليهود، إلى قوله:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون

[المائدة: 45] قال في اليهود:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون

[المائدة: 47] قال: في الكفار كلها، انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري.

فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عز وجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطأوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ أي الجلد والتحميم فخذوه أي اقبلوه ﴿ وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾ أي من قبوله واتباعه. قال الله تعالى: ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سماعون للكذب ﴾ أي الباطل ﴿ أكالون للسحت ﴾ أي الحرام وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد، أي ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه وأنى يستجيب له؟ ثم قال لنبيه: ﴿ فإن جآءوك ﴾ أي يتحاكمون إليك ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ﴾ أي فلا عليك أن لا تحكم بينهم، لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما يوافق أهواءهم.

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد هي منسوخة بقوله:

وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله

[المائدة: 49]، ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ أي بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾.

ثم قال تعالى منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون إنهم مأمورون بالتمسك به أبدا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، فقال: ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين ﴾ ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال: ﴿ إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ أي لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها، ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ أي وكذلك الربانيون منهم وهم العلماء العباد، والأحبار وهم العلماء ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ أي بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ﴿ وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ أي لا تخافوا منهم وخافوا مني ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما.

(سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات)

قال أبو جعفر بن جرير، عن عكرمة عن ابن عباس: إن الآيات التي في المائدة قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ - إلى ﴿ المقسطين ﴾ إنما أنزلت في الدية في (بني النضير) و (بني قريظة)، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تؤدي الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي، ثم قال ابن جرير، عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل القريظي رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة ودى بمائة وسق من تمر، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إليه، فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ ورواه أبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٤٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٤٥٠