محصنت غير مسفحت ولا متخذت أخدان
[النساء: 25]؛ وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى الترويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221] الآية. وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس: نزلت هذه الآية
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221] قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ ، فنكح الناس نساء أهل الكتاب، وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا أخذا بهذه الآية الكريمة ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ فجعلوا هذه مخصصة للتي في سورة البقرة
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[الآية: 221] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى:
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة
[البينة: 1]، وقوله: ﴿ إذآ آتيتموهن أجورهن ﴾ أي مهورهن، أي كما هن محصنات عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس. وقد أفتى جابر ابن عبد الله وإبراهيم النخعي والحسن البصري: بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله بها أنه يفرق بينهما، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم.
وقوله تعالى: ﴿ محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ﴾. فكما شرط الإحصان في النساء، وهي العفة عن الزنا، كذلك شرطها في الرجال، وهو أن يكون الرجل أيضا محصنا عفيفا، ولهذا قال غير مسافحين، وهم الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ أي ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إلا معهن، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب ويقلع عما هو فيه من الزنا لهذه الآية، وللحديث:
" لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله "
، وقال ابن جرير عن الحسن قال، قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة، فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله:
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة
[النور: 3] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾.