تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.92-93

يقول تعالى: ليس المؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة "

، ثم إذا وقع شي من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه، وقوله: ﴿ إلا خطئا ﴾ قالوا: هو استثناء منقطع كقول الشاعر:

من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ

على الأرض إلا ريط برد مرحل

واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد: نزلت في (عياش بن أبي ربيعة) وذلك أنه قتل رجلا يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو (الحارث بن يزيد الغامدي) فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية. قال ابن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنما قالها متعوذا، فقال له: هل شققت عن قلبه؟ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.

وقوله تعالى: ﴿ ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ﴾ ، هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما: الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وأن كان خطأ، ومن شروطها أن تكون عتق ﴿ رقبة مؤمنة ﴾ فلا تجزىء الكافرة، وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم:

" أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين الله " ، قالت: في السماء، قال: " من أنا " قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " أعتقها فإنها مؤمنة "

وقوله: ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، وهذه الدية إنما تجب أخماسا كما رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ (عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة) وإنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله، قال الشافعي رحمه الله: لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة، وهذا الذي أشار إليه رحمه الله قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال:

" اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها "

وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا لشبهة العمد.

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه، وقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " ، وبعث عليا فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب، وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال، وقوله: ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ أي فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب، وقوله: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ أي إذا كان القتيل مؤمنا، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب فلا دية لهم وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير.

وقوله تعالى: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ الآية أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام، ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة، ﴿ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا على قولين، وقوله: ﴿ توبة من الله وكان الله عليما حكيما ﴾ أي هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظهار؟ على قولين: أحدهما: نعم، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص، والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة، ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة، ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٣٦٥