4.155-159
وهذا من الذنوب التي ارتكبوها مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم ﴿ وكفرهم بآيات الله ﴾ أي حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام، قوله: ﴿ وقتلهم الأنبيآء بغير حق ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جما غفيرا من الأنبياء عليهم السلام ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ ، قال ابن عباس: أي في غطاء، وهذا كقول المشركين:
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
[فصلت: 5] الآية، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم أي أوعية للعلم قد حوته وحصلته، قال الله تعالى: ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾ ، فعلى القول الأول: كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله بل هي مطبوع عليها بكفرهم، وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة. ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ أي تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ﴾ قال ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا. قال السدي: والظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك. زاد بعضهم وهي حائض، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وقوله: ﴿ إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ﴾ أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه وهذا منهم من باب (التهكم والاستهزاء) كقول المشركين:
يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون
[الحجر: 6].
وكان من خبر اليهود عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرىء بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام، ثم لم يقنعهم - ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفرا - وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت - فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو! وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله تعالى:
إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي
[آل عمران: 55] الآية، فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا - كما ظن اليهود - أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال إنه خاطبها والله أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ أي رأوا شبهه فظنوه إياه ولهذا قال: ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ يعني ذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلمه إليهم من جهال النصارى كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال. ولهذا قال: ﴿ وما قتلوه يقينا ﴾ أي وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين ﴿ بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ﴾ أي منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه، ﴿ حكيما ﴾ أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم.