تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.136

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة

اهدنا الصراط المستقيم

[الفاتحة: 6] أي بصرنا وزدنا هدى، وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى:

يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله

[الحديد: 28]، وقوله: ﴿ والكتاب الذي نزل على رسوله ﴾ يعني القرآن ﴿ والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن ﴿ نزل ﴾ لأنه نزل مفرقا منجما على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿ والكتاب الذي أنزل من قبل ﴾ ، ثم قال تعالى: ﴿ ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ﴾ ، أي فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد.

4.137-140

يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع فيه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ﴾ قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ ثم ازدادوا كفرا ﴾ قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وعن علي رضي الله عنه أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثا، ثم تلا هذه الآية: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ﴾ ، ثم قال: ﴿ بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ﴾ ، يعني أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم

إنا معكم إنما نحن مستهزئون

[البقرة: 14] أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة قال الله تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾؟ ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها له كما قال تعالى في الآية الأخرى:

من كان يريد العزة فلله العزة جميعا

[فاطر: 10] وقال تعالى:

ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون

[المنافقون: 8]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والإقبال على عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

وقوله تعالى: ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ﴾ ، أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال تعالى: ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ في المأثم كما جاء في الحديث:

" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر "

، والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية:

وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم

[الأنعام: 68] الآية. قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام، يعني نسخ قوله: ﴿ إنكم إذا مثلهم ﴾ ، لقوله:

وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون

[الأنعام: 69]، وقوله: ﴿ إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ﴾ ، أي كما أشركوهم في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٣٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٣٩١