تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله: ﴿ آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ أي إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث، على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، ولذا قال: ﴿ آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ أي أن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا وهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ أي هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض هو فرض من الله حكم به وقضاه، والله عليم حكيم، الحكيم: الذي يضع الأشياء في محالها ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال: ﴿ إن الله كان عليما حكيما ﴾.

4.12

يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن عن غير ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد الوصية أو الدين، وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب، ثم قال: ﴿ ولهن الربع مما تركتم ﴾ إلى آخره، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان، والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: ﴿ من بعد وصية ﴾ إلخ. الكلام عليه كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف وقد حكى الإجماع عليه غير واحد.

وقوله تعالى: ﴿ وله أخ أو أخت ﴾ أي من أم كما هو في قراءة (سعد بن أبي وقاص). وكذا فسرها أبو بكر الصديق: ﴿ فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث ﴾ وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه: (أحدها) أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم، (والثاني) أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء، (والثالث) لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن، (الرابع) أنهم لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم، قضى عمر أن ميراث الأخوة من الأم بينهم للذكر مثل حظ الأنثى، قال الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الآية هي التي قال الله تعالى فيها: ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث ﴾ واختلف العلماء في المسألة المشتركة وهي (زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين)، فعلى قول الجمهور للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم، وقد وقعت هذه المسألة في زمان أمير المؤمنين عمر فأعطى الزوج النصف والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم وهو مذهب مالك والشافعي.

وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة، وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك، وهذا قول أبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد، واختاره أبو الحسن بن اللبان الفرضي رحمه الله في كتاب الإيجاز.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٣١١