، فأنزل الله: ﴿ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم أوليآء ﴾. وقد روي عن ابن عباس أنه قال نسخها قوله:
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
[التوبة: 5] الآية، وقوله: ﴿ أو جآءوكم حصرت صدورهم ﴾ هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من الأمر بقتالهم وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم أي ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم ﴿ ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ﴾ أي من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ﴾ أي المسالة ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ﴾ أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره.
وقوله تعالى: ﴿ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ﴾ الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون، يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى:
وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم
[البقرة: 14] الآية، وقال ههنا: ﴿ كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ﴾ أي انهمكوا فيها، وقال السدي: الفتنة ههنا الشرك، وحكى ابن جرير عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال تعالى: ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ﴾ المهادنة والصلح ﴿ ويكفوا أيديهم ﴾ أي عن القتال ﴿ فخذوهم ﴾ أسراء ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ أي أين لقيتموهم ﴿ وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ﴾ أي بينا واضحا.