ولما رأت أن المنية وردها
وأن الحصى من تحت أقدامها دامي
تيممت العين التي عند ضارج
يفيء عليها الفيء عرمضها طامي
والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والنبات وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب كالرمل والزرنيخ والنورة وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما واحتجوا بقوله تعالى:
فتصبح صعيدا زلقا
[الكهف: 40] أي ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء "
وفي لفظ:
" وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء "
قالوا فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، والطيب ههنا: قيل الحلال، وقيل الذي ليس بنجس.
وقوله تعالى: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهير به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال: أحدها - وهو مذهب الشافعي في الجديد - أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقها على ما يبلغ المنكبين وعلى ما يبلغ المرفقين كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة:
فاقطعوا أيديهما
[المائدة: 38]، قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين "
والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول الشافعي في القديم، والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة لما روي أن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء؛ فقال عمر: لا تصل. قال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال:
" إنما كان يكفيك وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الأرض ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه "
؟. (طريق أخرى): قال أحمد عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق قال: كنت قاعدا مع (عبد الله) و (أبي موسى) فقال أبو يعلى لعبد الله: لو أن رجلا لم يجد الماء، لم يصل؟ فقال عبد الله ألا تذكر ما قال عمار لعمر؟ ألا تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياك في إبل فأصابتني جنابة فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
" إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة "
؟ فقال عبد الله: لا جرم ما رأيت عمر قنع بذلك، قال، فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء: ﴿ فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾؟ قال: فما دري عبد الله ما يقول. وقال: لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم.
وقال في المائدة: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ ، فقد استدل بذلك الشافعي على أنه لا بد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء.
وقوله تعالى:
ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج
[المائدة: 6] أي في الدين الذي شرعه لكم
ولكن يريد ليطهركم
[المائدة: 6] فلهذا أباح التيمم. إذا لم تجدوا الماء أن تعدلوا إلى التيمم بالصعيد، والتيمم نعمة عليكم لعلكم تشكرون، ولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة بمشروعية التيمم دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: