تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن

[البقرة: 237] وقال تعالى:

إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن

[الأحزاب: 49] قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو لامستم النسآء ﴾ قال: الجماع. وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب اللمس: الجماع، قال: فلقيت ابن عباس فقلت له: إن ناسا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع قال: فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غلب فريق الموالي، إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك، وقال آخرون: عنى الله تعالى بذلك كل من لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان وأوجب الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئا من جسدها مفضيا إليه. عن عبد الله بن مسعود قال: القبلة من المس وفيها الوضوء، وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة، وكان يقول في هذه الآية: ﴿ أو لامستم النسآء ﴾ هو الغمز، وروى مالك عن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء، وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه على الاستحباب والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس هو قول (الشافعي ومالك) والمشهور عن أحمد بن حنبل، قال ناصروه: قد قرىء في هذه الآية لامستم ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد قال تعالى:

ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم

[الأنعام: 7] أي جسوه، وقال صلى الله عليه وسلم لماعز حين أقر بالزنا يعرض له بالرجوع عن الإقرار:

" لعلك قبلت أو لمست "

وفي الحديث الصحيح:

" واليد زناها اللمس "

وقالت عائشة رضي الله عنها: قل يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا فيقبل ويلمس، ومنه ما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة هو يرجع إلى الجس باليد على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر:

ولمست كفي كفه أطلب الغنى

وقال ابن جرير وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله ﴿ أو لامستم النسآء ﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلي ولا يتوضأ، وحدث عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت. وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءا.

وقوله تعالى: ﴿ فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم لحديث (عمران بن حصين)

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم، فقال: " يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم "؟ قال: بلى يا رسول الله ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال: " عليك بالصعيد فإنه يكفيك "

ولهذا قال تعالى: ﴿ فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ فالتيمم في اللغة: هو القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه أي قصدك، ومنه قول امرىء القيس شعرا:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٣٤٢