21.48-50
قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما وبين كتابيهما ولهذا قال: ﴿ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ﴾ ، قال مجاهد: يعني الكتاب، وقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها وما فرق الله بين الحق والباطل، وقال ابن زيد: يعني النصر، وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام وعلى ما يحصل نورا في القلوب، وهداية وخوفا، وإنابة وخشية، ولهذا قال: ﴿ الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين ﴾ أي تذكيرا لهم وعظة، ثم وصفهم فقال: ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب ﴾ ، كقوله:
من خشي الرحمن بالغيب وجآء بقلب منيب
[ق: 33]، وقوله:
إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير
[الملك: 12]، ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ أي خائفون وجلون، ثم قال تعالى: ﴿ وهذا ذكر مبارك أنزلناه ﴾ يعني القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ﴿ أفأنتم له منكرون ﴾ أي أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور؟.
21.51-56
يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه كما قال تعالى:
وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه
[الأنعام: 83]، والمقصود أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل أي من قبل ذلك، وقوله: ﴿ وكنا به عالمين ﴾ أي وكان أهلا لذلك، ثم قال: ﴿ إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ﴾ هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، فقال: ﴿ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ﴾: أي معتكفون على عبادتها، قال ابن أبي حاتم: مر علي رضي الله عنه على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها، ﴿ قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين ﴾ لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: ﴿ لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين ﴾ أي الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم ﴿ قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ﴾؟ يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبا أو محقا فيه فإنا لم نسمع به قبلك. ﴿ قال بل ربكم رب السموت والأرض الذي فطرهن ﴾ أي ربكم الذي لا إله غيره وهو الذي خلق السماوات والأرض وما حوت من المخلوقات، الذي ابتدأ خلقهن وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿ وأنا على ذلكم من الشاهدين ﴾ أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه.