وقال بعضهم: لا يجوز للأنبياء الاجتهاد لأن الاجتهاد عند عدم النص وهم لا يعدمون النص، وقالوا: عمل داود بنص ثم نسخ ذلك بنص نزل على سليمان (١)، ولولا إجماع المفسرين على ما حكيت لاحتمل أن يقال: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ هاهنا مثل ما في قوله ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقوله ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: سليمان وداود بدليل قوله ﴿وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وليس في الآية ما يدل على رد قول داود، وخص سليمان بالذكر شرفًا له ولأبيه أي: وآتى ابنه الحكم صَبِيًا، وكان له يومئذ إحدى عشرة سنة. والله أعلم.
ومذهب أهل العراق في ذلك أن النبي ﷺ قال: "جرح العجماء جبار" (٢)، فلا يلزم صاحب الماشية ضمان إذا لم يقصد.
ومذهب أهل المدينة أن النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء بن عازب (٣)
(١) وقد بين ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٢٦٦) جواز الاجتهاد للأنبياء والحكم به، وأن اجتهادهم صحيح، لأنه دليل شرعي، ومن قال: إنما يكون دليلًا عند عدم النص وهم لايعدمونه فإنه إذا لم ينزل الملك فقد عدموا النص.
(٢) أخرجه مسلم (باب: جرح العجماء، والمعدن، والبئر جبار، ح: ١٧١٠).
(٣) البراء بن عازب بن الحارث، أبو عُمارة الأنصاري، نزيل الكوفة، من أعيان الصحابة، شهد كثيرًا من الغزوات مع رسول الله ﷺ، وروى حديثًا كثيرًا، توفي سنة اثنتين وسبعين.
انظر: الاستيعاب (١/ ٢٣٩)، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩٤).