تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن العلماء والدعاة بحاجة إلى النظر في دلالات السيرة النبوية، وعدم الاكتفاء بمعرفة الأحداث وروايتها في موضع الاستدلال، بل بإحيائها في واقع الأمة، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بسياسة الرفق في كل شيء، حتى في أمور العقيدة، وقال "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".

ولما تطاول عليه أهل الطائف بكل أنواع الإساءات، وجاءه جبريل يريد أن يطبق عليهم الجبال رفض ذلك؛ لعل الله يخرج من أصلاب هؤلاء الكفار من يوحده سبحانه، أما حزن نفسه، وحظ قلبه وأودعه في أرق دعاء، وألطف قربى بين يدي ربه، فقال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملَّكْتَه أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".

بينما الدعاة في عصرنا يتسرعون ويتساهلون في إطلاق أحكام الضلال والخسران والشيطنة والاستبعاد حتى على المسلمين؛ لانحراف في سلوكاتهم، يريدون أن يصلوا بالناس إلى أعلى الجنان والقيام بسنام الإسلام، وكثير من المسلمين لا يعرفون وجهة القبلة أو حتى رب القبلة، فقد ورثوا الدين عن آبائهم كما ورثوا أسماء عائلاتهم وأموالهم، ومن انصاع فهو من الطائعين، ومن تخلى فعليه لعنة رب العالمين!!!

قد غرس الرسول العقيدة في نفوس المسلمين ثلاث عشرة سنة يعلمهم معاني الربوبية والألوهية وأسماء الله وصفاته، والبعث والنشور والجزاء والقدر، وقلة قليلة من الأحكام، ثلاث عشرة سنة، أرسى فيها جبالا تحملت البلاء والخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، جبالا مشت على النار، وصلبت على جذوع الشجر، ومُثل بها حتى ما بقي منها إلا أثر الإبهام تُعرف به، دون أن يزعزع ذلك إيمانها قيد أنملة.

ذلك الإيمان الذي بناه الرسول على علم وهدى، فدخل عقول المسلمين قبل قلوبهم، وكانت استجابتهم استجابة فهم، وليس مجرد خلجات نفس أو راحة قلب.

ذلك الإيمان الواعي الذي يسأل ويعلم ويؤمن ثم يتحرك ويعمل هو الذي جعل سمية تحتمل الطعنات في مكان عفتها، وتأخذ بعزائم الأمور في الوقت الذي أخذ فيه ابنها بالرخصة إيمانا راسخا منها بتحقق وعد رسول الله "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".

حتى قضية الإيمان نفسه لم يجعلها الرسول من المسلمات، فعلمنا أن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأن الإيمان بحاجة إلى تجديد ورعاية، فقال: "إن الإيمان لَيَخْلُقُ في جوف أحدكم كما يَخْلُقُ الثوب".

وجاء جبريل يعلم المسلمين كما ورد في الحديث القدسي أمر الإسلام والإيمان والإحسان حتى يكون اتباعهم اتباعا عن بينة، وأثنى الرسول على العلم والتعلم والسؤال، ولم يغلق بابه في وجه أحد مهما كانت ضالته أو خطيئته، هذا في أمور الإيمان، فما بالنا لو كان الأمر في أمور المعاملات المتغيرة التي أمر المسلمين بالتيسير والتبشير فيها، وتبليغ الرسالة، ولو كان ما يحمله المرء لا يزيد عن آية، وأعلى شأن الأعرابي الذي كان يدعو بما يعرف بحسب علمه وفصاحته، وإن كان لا يشبه مأثور دعاء الرسول وأصحابه.

وما أقام الرسول مفاصلة وانقطاعا وخندقا بينه وبين الناس إلا في أحوال مخصوصة، وأقر الحسن من مكارم الأخلاق من خارج دائرة الإسلام، وشارك قومه حلف الفضول، وأعطى ذمته للنصارى واليهود، وأخَّرَ بعض أمر الدين طلبا لمصلحة عليا عندما أبقى بناء الكعبة كما هو دون أن ينقضها ويبنيها على قواعد سيدنا إبراهيم؛ مخافة أن يحدث ذلك فتنة في قريش، وهم ما زالوا على أبواب الإسلام.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٥٧