قصّةُ بَحيرا الرَّاهب .. حقيقةٌ أم خَيالٌ!
أم الرصاص.
بقلم: د. خالد الحايك.
الموضوع التي أثارته جريدة "السبيل" حول المنشور التي توزعه "وزارة السياحة" حول منطقة "أم الرصاص" وفيه نص يقول: "هنا ألتقى الرسول محمد أثناء رحلة تجارية له براهب أقنعه بفضائل التوحيد"! ليس موضوعاً جديداً، بل هو موضوع قديم. فالنصارى قد أثاروا هذه القضية قديماً وما يزالون؛ ليثبتوا أن تعاليم الإسلام هي من النصرانية! ومع أن الإسلام لا يختلف عن النصرانية (الصحيحة غير المحرفة) في أصول التوحيد؛ إلا أنهم يحاولون إقناع الناس بأن ما عندهم هو الصحيح! ولو سلّمنا جدلاً بأن محمداً صلى الله عليه وسلم تلقّى أصول التوحيد من (الراهب بحيرا) فإنه يكون قد تلقى الأصول الصحيحة للتوحيد لا الأصول المحرفة التي تعتقد بالتثليث! فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد جاء بالتوحيد الخالص وكفّر من يقول بعقيدة التثليث؛ فإن كان ما تعتقدونه صحيحاً من أنه (بحيرا) قد علمه التوحيد فإن التوحيد الذي جاء به هو ما ترونه وهو مناقض لما عندكم، فالأولى أن تتبعوا ما جاء به محمد من التوحيد وتشهدون على أن ما عندكم من توحيد يناقض التوحيد الذي علمه بحيرا لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ولكن النصارى لا يعون ما يقولون! فإنهم حاولوا كثيراً وعبر زمن طويل إلى إرجاع القرآن الكريم إلى أصول إنجيلية، ومن الكتب المتعلقة بهذه الحادثة كتاب "كراديفو" بعنوان: "راهب بحيرا والقرآن" (1898 م). وما كتبه "سترشتين" بعنوان: "القرآن: الإنجيل المحمدي" (1918م). وما كتبه: "ريتشارد بيل" بعنوان: "أصل القرآن في بيئته المسيحية" لندن 1926م، وأعيد طبعه عام 1968م.
وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض ما يزعمه أعداء التوحيد، فزعم المشركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعلّم من رجل أعجمي: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: 103).
فجعل يوحنا الدمشقي (ت 750م) وتلميذه أبو قرة من هذا البشر هو بحيرا الراهب الأريوسي! وردد من بعده قوله: "الإسلام هرطقة مسيحية ـ القرآن تلفيق من العهد القديم والعهد الجديد ـ تعلم النبي صلى الله عليه وسلم من بحيرا الراهب ـ المسلمون سراسنة".
والقرآن ردّ عليه وعلى غيره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (الفرقان: 4).
فالذي علّم النبي صلى الله عليه وسلم عندهم هو: بحيرا الراهب أو أحد أهل الكتاب ممن كانوا بمكة أو الشام.
ولهذا استغل النصارى ذلك وأقنعوا أنفسهم به وبثوه بين صفوف المسلمين معتمدين في ذلك على بعض الروايات التي جاءت في كتبنا.
وما جاء في منشور "وزارة السياحة" نعم هو ما جاء في معتقداتهم، ولكنه أكثر ما يكون هو الترويج السياحي لهذه المنطقة، فقد جاء على لسان أحد السيّاح الذين زاروا هذه المنطقة تحت عنوان: (رحلة إلى أم الرصاص التي تشرفت بمقدم النبي محمد، والقسطل وقلعة ضبعة-الأردن: "في خامس أيام العيد الماضي (الفطر 2008) قررنا الخروج، وهكذا وبدون تردد اتفقنا للذهاب إلى منطقة أم الرصاص (ميفعة) في جنوب عمان، حيث كنا قد حضرنا برنامجاً بث على قناة العربية عن منطقة أم الرصاص (ميفعة)، واستقبالها للرسول الكريم (محمد عليه الصلاة والسلام) أثناء رحلته إلى بلاد الشام، والتقاءه هناك بالراهب بحيرى الذي تنبأ بنبوة محمد قبل البعثة ... ".
فهل حقاً منطقة "أم الرصاص" هي التي التقى فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالراهب بحيرا؟!
وبحسب الرواية التقى به في (بُصرى الشام) ولذلك يعتقد أهل سوريا أن اللقاء في منطقتهم، وقد جاء في موقع: (موقع اكتشف سورية) أن دير الراهب بحيرا في بصرى، وهذا الدير: "من القرن 4م وفيه أقدم كنائس بصرى. هندسته شرقية محلية تختلف عن بقية كنائس بصرى. فيه اجتمع محمد (ص) قبل النبوة وكان عمره 12 عاماً وعمه (قادمين إلى سورية في قافلة تجارية) مع الراهب بحيرا الذي تنبأ له بالنبوة. وهو راهب نسطوري وكان قساً فلكياً عالماً طرده الرهبان فعاش في هذا الدير. وحينما زاره محمد (ص) مع عمه نصحه بأن يعود به، ويحاذر من اليهود كي لا يصيبه شر لأنه كائن عظيم.