تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم عادت كاتبتنا - وفقها الله لمرضاته - إلى التساؤل بالقول: «كيف ننقل للنساء والشباب رحابة الإسلام ومتانته التي تحتاج إلى رفق لإيصالها؟ كيف يرجع الناس إلى حضن الإسلام وهم يعيشون جاهلية أشد من الجاهلية الأولى ونقنعهم بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وأن الطيّب حلال واسع، بينما الخبيث محصور محدود؟».

ولكن محور البحث ليس الدعوة إلى الإسلام برحابته برفق ولين، فالإسلام هو الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن المشكلة في بعض حملته ممن يريد أن يميّع الإسلام ويوصله إلى العامة بطريقة منحرفة، وفهمنا للإسلام بأن يوسع دائرة الحلال والطيّب، لا يعني أن يفقد الإسلام وضوحه و (متانته) وحسمه للأحكام الشرعية، وفرق كبير بين الترفق بالناس والتدرج معهم في التربية الإيمانية التي ستردعهم يوماً عن الوقوع في الحرام، وبين تزيين الحرام للناس وتحليله بحجة الترفق.

ينبغي على الدعاة أن يكونوا واضحين مع من يدعونهم، ويقدموا لهم الإسلام على حقيقته دون خجل ولا مواربة .. فليقولوا لهم كما قالت الكاتبة: أنتم في جاهلية أشد من الجاهلية الأولى، وهذا هو الإسلام الذي تصلح به أحوالكم، وهذه أحكامه خيرٌ لكم وإن ظننتموها كُرهاً لكم، من تمسّك بها نجا وسعد وفاز وأفلح، ومن تنكب عنها خاب وخسر، والدنيا وما عليها بتقنياتها وتكنولوجياتها لن تغنيكم عن رضا الله تبارك وتعالى شيئاً.

نعم، هناك مسائل كثيرة اختلف فيها العلماء، والأمر حينئذ فيه سعة، بمعنى أنه يجب التماس الأعذار لهم فيما أخطأوا فيه، واجتناب ما تبيَّن لنا خطؤه، ولست أحسم في مسألة الاستفادة من سعة هذا الخلاف، فالأمر بحاجة إلى دراسة وبحث أوسع. ولكن أولاً وآخراً ليس كل خلاف له حظ من النظر.

وما أجمل ما ختمت به الكاتبة مقالتها حيث قالت: «وإننا من قبل ومن بعد لنقول لربنا سبحانه وتعالى: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ .. وحريٌّ بنا أن نقولها ونعمل بها.

25/ 4/2010.

مقال الكاتبة الثاني: "سياط الواعظين ورحمة سيد العالمين".

"ائذن لي بالزنى".

لو قالها لنا أحد لاحتقرناه، ولأوسعناه شتما، وربما ضربا وازدراء، ولَسُمْناه أشد العذاب لمجرد نازع شيطاني خالج نفسه دون أن يقدم عليه، ولكن النبي الهادي، نبي الرحمة، النبي الذي مدحه الشاعر فقال فيه صدقا:

فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء

وإذا غضبت فإنما هي غضبة في الحق لا ضغن ولا بغضاء

فإذا رضيت فذاك في مرضاته ورضى الكثير تحلم ورياء

ذلك النبي المعلم احتضن ذلك الشاب الذي جاء يطلب السماح باقتراف كبيرة من الموبقات احتضان المشفق، الذي يعلم أنه لولا الخير في نفس هذا الشاب وخوفه من الله لما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله، ولكان فعل من غير سؤال، فأبواب الحرام سهلة الولوج، والليل أخفى للويل، وقد كان الأمر ليتم دون دراية أحد، فلم يعنفه ولم يغلظ له في القول، ويسارع بتجريم سؤاله، واتهام إيمانه ونواياه، بل أيقظ مكامن الإيمان والشرف في نفسه، ودعا له بطهارة القلب، وإحصان الفرج، حتى خرج من عنده بغير الوجه الذي دخل به، وغير النية وغير القلب، والزنى أبغض ما يكون إلى نفسه.

ولقد جادلت خولة بنت ثعلبة سيد المرسلين، يقول لها وترد عليه، ويعيد عليها وتعيد عليه، والرسول لا يوقفها ولا ينذرها بالويل والثبور، ولا يتهمها بنقص الدين والعقل؛ لأنها ناقشت في حكمه، وخرجت من عنده تشكو إلى الله همها وحزنها، حتى جاء النصر المبين من لدن رب العالمين ليخلد الحادثة، وصاحبة الحادثة، وتعامل الرسول معها لتكون درسا للمتعظين بكافة أبعادها.

وتأتي سفيرة النساء إلى الرسول، فتطلب منه أن يتفرغ لهن ويعلمهن، وكن يسألنه ويعرضن عليه الخاص والعام من أمور حياتهن، وهو الذي قد صاغ للمسلمين بسيرته أبجديات التعامل مع النساء، فَرَقَّ وبكى لشكواهُنَّ، وأخذ بحقهن، وأعظم لهن الأجر بالعمل والجهاد والعلم، وصبر على الغيرة والدلال والهجر في داخل بيته، حتى يعلِّمَ رجال أمته الصبر في بيوتهم.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٥٦