ولو أردنا تطبيق القاعدة على طريقة الكاتبة والتي لا علاقة لها بالقاعدة أصلاً؛ فإننا حينئذ سنفتح باباً واسعاً لولوج الحرام بجميع أشكاله، ثم لا يصبح للحكم الشرعي عند البشر أية قيمة .. وكل امرأة تود السفر للتمتع بالنظر إلى مخلوقات الله ولم تجد محرماً - من زوج أو أخ أو أب ... إلخ - متفرغاً للسفر والتفكر بمخلوقات الله معها؛ تقول بينها وبين نفسها: إيه! أخذ أو أشغل عني ما أوهب، فأسقط ما أوجب .. أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .. وتحمل حقائبها وتسافر!!
وإذا طبّقنا القاعدة بطريقة سليمة فإننا نقول: أخذ الله ما أوهب (المَحْرَم) فأسقط ما أوجب (الفعل الذي يشترط له المحرم، كالحج الواجب، والسفر للتفكر من باب أولى لأنه ليس بواجب) .. وبهذا يستقيم المعنى على الجادة، ولذلك قال الفقهاء: إن المرأة التي ليس لديها محرم يسافر معها إلى الحج يسقط الحج عنها، وبعد وفاتها لا يحج عنها أحد، لأنها صاحبة عذر .. فهي تنال أجر الحج بنيتها مع توفّر العذر.
أما حديث الكاتبة عن (الضيعة والمنقصة والتقييد) فأما الضيعة والمنقصة فلا يوجدان مع الدين، لأن الدين حفظ للناس لا مضيعة لهم، وإتمامٌ لحقوقهم لا تنقيصٌ لها، ومن تنظر إلى الأمور بمنظار الآخرة الباقية؛ فإنها تقول: ألتزم بالحكم الشرعي، وأقيّد نفسي به لأُرضي ربي سبحانه حتى إن ظنّه البعض منقصة، ومن يلتزم حكم الله فلن يضيعه أبداً.
وأما خلق الله فلا اعتراض عليه .. يخلق ما يشاء .. زلازل وبراكين، ونساء بلا محارم!
المحور الثاني: النصيحة بعدم الذهاب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الثلاثية الأبعاد.
الذي فهمته من كلام الكاتبة هنا أنها لا ترى مانعاً من ذهاب (الشباب، وربما الشابات - بلا تقييد -) إلى السينما لمشاهدة هذه الأفلام بشرط أن تنتفي من المشاهد البذيئة، فمن الخير أن يكون المسلم مطَّلعاً على كل ما جد واستجد من التطورات، ومن هذه التطورات عرض الأفلام بتقنية حديثة (ثلاثية الأبعاد).
ولا ندري كم مرة يجوز للمسلم أن يذهب إلى السينما ليطلع على هذه التقنية؟ وهل سيكتفي بمرة واحدة أو اثنتين، أم أنه سيعتاد على حث الخطا إليها .. ثم ماذا بعد؟ ألا يمكن أن يطلع عليها - إن كان ولا بد - بطريقة أخرى غير الذهاب لحضور فلم في السينما يحضره كل من دبّ على رجلين؟ ثم ماذا سيقدم لأمته بعد اطلاعه عليها؟
ثم تقول الكاتبة المحترمة: «الشباب مقبلون على هذه الأمور، فهل نعاملهم بسياسة الحرمان فيصبح كل ممنوع مرغوباً؟»، ولست أعلم هل ستردد الكاتبة هذه العبارة في كل أمر يُقبل عليه الشباب وما أكثر الأمور التي يقبلون عليها؟ الشباب مثلاً مقبلون على الحشيش والمخدرات والسكر، فهل سنعاملهم بسياسة الحرمان؟ مقبلون على النوادي الليلية والنظر الحرام والزنى، فهل سنعاملهم بسياسة الحرمان؟ مقبلون على سماع الأغاني الماجنة، وحضور الحفلات الساقطة، فهل سنعاملهم بسياسة الحرمان؟ فلتسمح لي الكاتبة أن أقول لها - وهي من الداعيات الملتزمات - إن هذا المنطق غريب عن الدعوة والالتزام.
لقد كان الأولى بالكاتبة المحترمة أن توجّه دعوة إلى الحركات الإسلامية أن يواكبوا (التكنولوجيا الحديثة) بالسعي إلى إيجاد بدائل شرعية مستقيمة تنتشل الشباب من أوحال الفساد وأماكن الانحراف.
لقد كان الأولى بها أن تخاطب الشباب بلسان المشفق المحب الودود، وتحذرهم من الذهاب إلى هذه الأماكن التي لن تزيدهم من الله إلا بعداً، وتحضهم على الذهاب إلى المساجد والمراكز الإسلامية التي تنوع في نشاطاتها الدعوية والرياضية والفنية من أجل الترويح عن الشباب في بيئة بعيدة عن أخلاط المعصية. ثم طرحت الكاتبة المحترمة تساؤلات أخرى على نفس المنوال نضرب عنها صفحاً للاختصار، وفيما سيأتي مزيد بيان.