وتواصل كاتبتنا التساؤل فتقول: «هل نحلّ مشكلتهن (تقصد الـ 96 ألف امرأة) بتعدد الزوجات الذي أصبح في كثير من الأحيان سبباً لكثير من المآسي والمظالم لعدم وجود العدل؟».
وأنا أستغرب لماذا تُقحَم مسألة تعدد الزوجات هنا، أم أنها العقدة التي تعاني منها أكثر النساء تجاه هذا الحكم الشرعي الذي شرعه الله سبحانه وتعالى الذي خلق البشر وهو أعلم بما ينفعهم ويُصلح أحوالهم؟ وهل تعدد الزوجات سيحل ما زعمت الكاتبة أنه مشكلة؟ وإن كان سيحل المشكلة أليس الأولى بنا أن نشجّع عليه مع الحض على العدل، بدلاً من الترهيب منه؟ وهل المرأة المتزوجة تملك أن يسافر معها زوجها متى شاءت فتخضع لها ظروف الزوج حيث تقول: كن؟ وهل المآسي والمظالم التي تتحدث عنها الكاتبة في تعدد الزوجات محصورة في التعدد فقط؟ أم أن كثيراً من النساء يعانين من أزواجهن أكثر مما تعاني من يعدد زوجها؟ وهل وجود العدل شرط في التعدد؟ ووو ... أسئلة كثيرة ستذهب بنا بعيداً عن الموضوع الأساسي الذي نتحدث عنه.
ثم تتساءل الكاتبة - غفر الله لها -: «هل تُحرم النساء من زيارة بيت الله الحرام الذي تهفو القلوب إليه فرضاً وسنّةً لعدم وجود المحرم؟» .. ولعلّ الكاتبة - سامحها الله - غفلت عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو يخطب: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإنني قد اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انطلق فحج مع امرأتك» رواه البخاري ومسلم.
هل للمسلم - وقد ارتضى الإسلام ديناً، والإسلام هو الاستسلام لأمر الله ونهيه - إلا أن يعتز بإسلامه ويقول: إنني من المسلمين المستسلمين لأمر الله تعالى، ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل كان لهذا الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل محمداً فيقول: كيف أترك الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام لأرافق امرأة؟ ولماذا أرافقها وهي امرأة متدينة تخرجت من بيت عفاف وحياء والتزام؟ ولماذا لا أذهب معك يا رسول الله للجهاد وأرسل مع امرأتي نساءً يرافقنها في حجها؟ ... اعتذارات ومخارج كثيرة كان بإمكان هذا الرجل أن يجادل بها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الإسلام ربّاه على السمع والطاعة والتسليم لأمر الله تعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام.
ثم تواصل كاتبنا المحترمة تساؤلاتها فتقول: «هل نُحرم من متعة السفر وفوائده، ورؤية بديع خلق الله ... لمجرد أننا إناث من غير محارم؟».
ما يقال في السفر من أجل الحج الأكبر (جهاد النساء) أولى أن يقال في السفر للمتعة والتفكر .. وبصراحة واختصار: نعم تُحرم من متعة السفر وفوائده إذا لم يتوفر المحرم، وهذا هو حكم الشرع الواضح الصريح في المسألة، والحياة السعيدة، والمتعة الأكيدة في التزام أمر الله تعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم﴾. ثم تقول كاتبتنا - نفع الله بها وغفر لنا ولها -: «أعترف بجهلي بتفاصيل الحكم الشرعي، ولكن ما أعرفه أن الله لم يجعلنا في ضيعة ومنقصة أو تقييد يخلقنا كإناث قدّر الله لهن عدم وجود المحارم لعلة ما!! ألا ينطبق على هذا المثال قاعدة «إن الله إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب».
نقدر جداً تواضع الكاتبة واعترافها بجهلها بتفاصيل الحكم الشرعي، ونود أن لا نعدّ هذا إلا من التواضع وحسب، فإن الجاهل حقه أن يسكت، وأن يسأل أهل العلم إن كان لا يعلم فيقلّدهم فيما يفتونه.
وأما قاعدة «إذا أخذ ما أوهب؛ أسقط ما أوجب» فمن أشهر تطبيقاتها عند الفقهاء أن العقل مناط التكليف، وأن المرء إذا فقد عقله بصورة من الصور فإن التكليف يسقط عنه.