تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم يغضب صلى الله عليه وسلم لما جاءه الحبّ بن الحبّ أسامة بن زيد ليشفع للغامدية التي سرقت؟! فلم لم يرفق بها ويقبل شفاعة أسامة لما فيه من مصلحة الدعوة آنذاك؟

ألم يغضب عندما قال أبو ذر لبلال رضي الله عنهما: يا ابن السوداء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك امرؤ فيك جاهلية".

ألم يغضب من ذاك الخطيب الذي قال: ومن يعصهما (الله ورسوله)، فقال له: "بئس خطيب القوم أنت، أجعلتني لله نداً"؟

ما هو ميزان الرفق التي تنادي به الدكتورة؟!

ألم يدعو النبي صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً على بعض القبائل؟! لم لم يرفق بهم؟

إن بعض الذين يدعون إلى الرفق إنما هم يميعون الدّين من حيث لا يشعرون! نعم الرفق مطلوب، ولكنه أيضاً مرفوض في كثير من المواطن.

ثالثاً: تمادت الكاتبة في أصل الإيمان! فقالت كلاماً لا تفهمه ولا تستوعبه، وهذا من باب الإعذار لها؛ لأن قولها فيه من الخطورة الشيء الكثير! ونحن لا نتهم أحداً ولا نكفّر، وإنما نعلّم.

قالت الكاتبة: "فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بسياسة الرفق في كل شيء حتى في أمور العقيدة".

فهذا كلام خطير ناجم عن جهل بالدّين! فلتأت لنا الكاتبة بمثال واحد أخذ به صلى الله عليه وسلم "بسياسة" الرفق كما تزعم في أمور العقيدة!!!

ويكفي في الرد عليها قوله تعالى للذين استهزؤوا ببعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتذروا له بأنهم كانوا يمزحون: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.

وانظر إلى تسمية الرفق: "بسياسة الرفق" وكأن الرفق شيء مصطنع لا يوجد أصالة في الإنسان!!

وقالت الكاتبة أيضاً: "حتى قضية الإيمان نفسه لم يجعلها الرسول من المسلمات، فعلّمنا أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي".

وهذه طامة كبيرة! فكيف لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان من المسلمات؟ إذا كان الإيمان ليس من المسلمات فهذا يعني أن الدّين كله قائم على أسس غير مسلمة، فكيف إذا كان أس الدّين ودعامته وهو الإيمان ليس مبنياً على المسلمات؟ إذن لا حرج في من يكفر! وفي من يفسق؟

لم تفهم الكاتبة معنى زيادة الإيمان ونقصه؛ لأنها ليست من أهل التخصص فأتت بهذه الطامة الكبرى التي تنشق لها الأرض والجبال وتخر لها! ومن خاض في غير فنه أتى بالعجائب.

رابعاً: زعمت الكاتبة بأن العلماء والدعاة بحاجة إلى النظر في دلالات السيرة النبوية وعدم الاكتفاء بمعرفة الأحداث وروايتها في موضع الاستدلال، بل بإحيائها في واقع الأمة, ومثلت على ذلك بما حدث معه صلى الله عليه وسلم في الطائف وقول جبريل له.

وهذا من الكاتبة تزكية لنفسها أنها تعرف دلالات السيرة والعلماء والدعاة بحاجة إلى معرفة ذلك وأنهم يكتفون برواية الأحداث في موضع الاستدلال! وهذا كلام ينقض آخره أوله. فمن يروي هذه الأحداث في مواضع الاستدلال يعني أنه يستدل به في مواضعها، وينزلها على الواقع، ولكن أي واقع.

إن أحداث السيرة لا يستدل بها على كل حدث معاصر لاختلاف الزمان. وهذه قضية مهمة لا تعرفها الكاتبة فوقعت فيما حذرت منه. فكون النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يلحق الله عز وجل بأهل الطائف العذاب لا يعني أننا نسحب هذا الأمر على كل حدث يحصل.

وأحداث السيرة منها ما كان مؤقتاً في زمن معين قبل أن تستقر الأحكام وتقف الدعوة قوبة في وجه مناوئيها. فكان المطلوب في أول الدعوة ممن يدخل في الإسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله فيدخل الجنة إذا مات وهو لم يصلي ركعة لله قبل فرض الصلاة. فهل يدخل الإنسان الجنة الآن بهذه الشهادة دون الصلاة؟!

فأحداث السيرة لها أثر كبير ولكن تنزيلها على الواقع يحتاج إلى بعد نظر.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٥١