تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالنبيّ صلى الله عليه وسلم قد قضى في سفر المرأة فجاء كلامه واضحاً جلياً لا يحتمل التأويل ولا يقبل الشبه والتعليل. وهكذا فهم من حملوا لنا هذا الدّين ومن تبعهم. وأما ما تذرع به بعض المعاصرين ممن مالوا إلى التمييع بأن المرأة تحتاج إلى السفر ولا يوجد لها محرم وغير ذلك فبحثوا في كتب أهل العلم فوقعوا على قول لإمام يتبع بعض المذاهب فتشبثوا به ولم يحيدوا عنه وعدّوه هو الدّين! فهل يقبل قول ذلك العالم المخالف للنص الظاهر عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

وأما الضرورة التي يذكرها بعض الناس في مثل هذه القضايا فهي ليست الأصل، وإنما هي حالات فردية لا تُعمم مع الأخذ بأصول أهل العلم في أن هذه الضرورات تُقدر بقدرها، وأن لا تؤدي إلى مفسدة، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب أهل الأصول.

وكما ذكرت فلست بصدد تعقب الكاتبة في هذه الفتوى أو تلك، وإنما في اختيارها لعنوان المقالة، فهو يُنبئ عن أن الدكتورة قد وصلت إلى مرحلة الاجتهاد في الفتوى؛ لأن مثل هذا العنوان لا يقول أهل العلم إلا بعد سبر وتحقيق. وقد ذكرتني هذه العبارة بقول الإمام الذهبي وهو يتكلم عن أحاديث التابعي أبي الزبير محمد بن تَدرُس المكيّ عن جابر بن عبدالله الصحابي رضي الله عنه، قال -رحمه الله- عن حديثه عن جابر: "في القلب منها شيء". وهذا القول إنما قاله بعد تتبعه لحديثه عن جابر وتحقيقه، وهو قول نابع عن علم، لا عن هوى في النفس صادم ما فيها.

قد أخطأت الدكتورة في مقالتها وأساءت لنفسها من حيث لم تشعر وإن كانت عبارتها تمشي على استحياء في رفض فتوى أهل العلم. وبعد ردّ الأخ وائل على مقالتها وبيان وجه الحقّ في ذلك كأنها لم ترتض ذلك، فتمادت في الجنوح عن الحقّ فأتبعت ذلك بمقالة ثانية عنوانها: "سياط الواعظين ورحمة سيد العالمين"!

مضمون هذه المقالة تشبيه من رد عليها بأنه واعظ يحمل السياط للناس ولا يترفق بهم! وفرق بين الواعظ والعالم! وهذا فيه ازدراء بالآخر.

كان ينبغي لهذه الكاتبة أن تعلن أنها أخطأت أو تسكت ولا تتمادى في الباطل! وأقول "الباطل" لما حواه مقالها الثاني منه كما سأبينه إن شاء الله تعالى.

أولاً: تكلمت الدكتورة عن الرفق ورحمة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وهذا لا ينكره أحد، بل هو أمر نعتز به، ولكن التمادي في الانتصار للنفس لا يجعلنا أن نستشهد بمثل هذا الأمر لإسكات الخصم؛ لأن المسائل العلمية تقوم على الدليل لا على العاطفة.

ثانياً: استهلال الكاتبة بما يُنسب للنبي صلى الله عليه وسلم: "إئذن لي بالزنى"! لم يكن موفقاً من ناحيتين: الأولى: أن الزنى أمر مستبشع، ولا ينبغي ذكره في مقام الرفق وإن حاولت الكاتبة الاستشهاد به لإقرار رفق النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذه الأمور المستبشعة! والثانية: أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وإن صححه بعض المعاصرين-! فهو حديث قد رواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق حَريز بن عثمان عن سُليم بن عامر عن أبي أُمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد ظاهره الصحة وبه صححه من أشرنا إليهم، ولكن حريز هذا متكلّم فيه عند أهل العلم، وكذلك في الحديث نكارة، ولهذا عدّه الحافظ ابن عدي في منكرات حريز كما في ترجمته من كتاب "الكامل". ووجه النكارة واضح في أن الحال الذي كان عليه شباب المسلمين على عهده صلى الله عليه وسلم ليس كما الحال فيمن بعدهم، ونحن لا ننزههم عن الخطأ، ولكن نستبعد صدور هذا منهم لما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق والآيات الكثيرة المنفرة عن هذه الجريمة! نعم هذه القصة تستهوي كثيراً من الناس، ولكن فيها إساءة إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب إذا انتهكت محارم الله، فكيف لا يغضب من هذا الشاب -لو صحت القصة-؟!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٥٠