تتألف الكنيسة من قاعة طويلة، وفي كل نهاية قوس بيضوي كبير، فوقه ثلاث نوافذ وفي الجدران الجانبية نوافذ عالية. وفي أسفل القوس الغربي يوجد مثلث مؤطر، وفي النهاية الشرقية كان يوجد مذبح نصف دائري، وتزين الباب الغربي دائرتان فوقه".
فهل التقى النبي صلى الله عليه وسلم ببحيرا في الأردن أم في سورية؟
وهذا يذكرني بقصة أهل الكهف التي قصّها الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الكهف، فإن أهل الأردن يزعمون أن الكهف عندهم، وكذلك أهل سورية، وكذلك أهل تركيا!
إن بعض الدول تتخذ من هذه القصص وأضرحة بعض الأنبياء والصحابة يتخذونها للترويج السياحي، وهذه الأمكنة والأضرحة التي يزعمون أنها لفلان أو فلان لا يصح منها شيء أبداً.
وقبل فترة وجيزة خرج علينا أحد القساوسة الأقباط في مصر وادّعى أن عنده مخطوطة تحوي مذكرات للراهب بحيرا. وهي مخطوطات مزورة من كتبها جاهل كبير! فإنها كتبت بقلم حبر جاف، وعلى ورق أصفر مسطر! وفيها أخطاء نحوية كثيرة، وركاكة في الألفاظ والمعاني!
وقد اختلف في حقيقة هذا الراهب "بحيرا" في اسمه وماذا دار بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اللقاء!
فسماه بعضهم "بحيرا" وبعضهم "نسطورس"، وفي الروايات عند أهل السنة لم يذكروا اسمه، ومن ذكر اسمه جاء في روايات من رواية الكذابين! وبعضهم قال بأنه نصراني، وبعضهم قال هو يهودي!
وكذلك لم تذكر هذه الروايات إلا أنه التقى به وذكر من علامات نبوته، ولذها ذكر أصحاب كتب "دلائل النبوة" هذه القصة فيها، ولم يرد في أي رواية أنه تعلم من هذا الراهب شيء.
وذكر المستشرق الإنجليزي "بودلي" في كتابه "الرسول حياة محمد" أن النبيّ كان يجالس بحيرا الراهب ويتعلم منه طويلاً؛ فقد ظل الراهب يحادث العربي الصغير، وكأنما يحادث رفيقاً من رفقائه فأخبره بعقيدة عيسى وسفه عبادة الأصنام، وأرهف محمد صلى الله عليه وسلم السمع إلى ما ينطق الرجل به.
فمن أين لهذا المستشرق هذه الأمور؟!
نعم، القصة مشهورة ومعروفة عند أهل السنة، رواها أصحاب السير بدون إسناد، والعمدة في قبول الروايات هي الأٍسانيد، ولكن بعض أهل العلم قبل الروايات المرسلة في المغازي والسير، وهو منهج عندهم وله من الاعتبار نصيب ليس هذا محل التفصيل فيه. ولكن قد روى هذه القصة بإسناد الترمذي والإمام أحمد وغيرهما، وهذا الإسناد وإن كان صاحبه - نوح أبو قراد- لا بأس به، إلا أن روايته هذه غريبة، وعنده مناكير، وأهل النقد لا يقبلون مثل هذه التفردات والغرائب كما هو معلوم عند أهل الاختصاص. فهو قد تفرد بهذه الرواية في طبقة أتباع أتباع التابعين، وشأن هذه الطبقة أن يكون الحديث فيها مشهور بإسناده، وتفرده بمثل هذا لا يحتمله النقاد العارفون بعلل الأحاديث، فيردونه، ولا يشفع له تحسين بعض أهل العلم له انطلاقاً من أنها قصة وليس فيها أحكام سواء عقدية أو فقهية، ولو وقف الأمر عند ذلك لكان هيناً، ولكن تعداه إلى استغلال هذه الرواية في الطعن في الرسالة من أعداء هذا الدين الحاقدين.
وقد ذكر الحافظ الذهبي هذه القصة في "تاريخ الإسلام تحت عنوان: (سفره مع عمه ـ إن صح:" ثم قال: "وهو حديث منكر جدّاً؛ وأين كان أبو بكر - كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسنتين ونصف؛ وأين كان بلال في هذا الوقت - فإنّ أبا بكر لم يشتره إلاّ بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد؛ وأيضاً، فإذا كان عليه غمامة تظلّه كيف يتصوّر أن يميل فيء الشجرة - لأنّ ظلّ الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النّبيّ، صلى الله عليه وسلم، ذكر أبا طالب قطّ بقول الرّاهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ، مع توفّر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيّما اشتهار، ولبقي عنده، صلى الله عليه وسلم، حسّ من النّبوّة؛ ولما أنكر مجيء الوحي إليه، أوّلاً بغار حراء وأتى خديجة خائفاً على عقله".