وإلى هذا وذاك فأهل الحديث والسنة يحرصون على جمع الصف ووحدة الكلمة داخل هذا الإطار، فهم ليسوا حزباً محدوداً ينفي من عداه بالهوى والتحكم، ولكنهم رايةٌ عقدية أثرية من انطبقت عليه صفاتها وخصائصها فهو من هذه الفئة أقرّ له الآخرون بذلك أم لم يقرّوا ...
فهذه الفئة أو الطائفة الموعودة يستحيل أن يكون المجدّد من غيرها استحالة تامة؛ إذ هي القائمة بأمر الله، المتبعة لشرعه، السائرة على هدي نبيه حذو القذة بالقذة، ومن ثم فهي المجدّدة لهذا الدين حين كاد يَخلَقُ بغبرة الأهواء وظلمتها وهي الواقفة عند حدود الله حين تجارت الأهواء بأصحابها فلم يبق لهم من الدين إلا الانتساب، فكيف يكون التجديد عمل غيرها؟!
وقد يكون لهذه الطائفة رؤوس يمتازون بالموقف الصلب الثابت، والعلم الواسع، والعمل الدؤوب في بلدٍ واحدٍ، أو في بلدان متعدِّدة، فرداً أو أفراداً وهؤلاء من التجديد أوفى نصيب ... ".
قال سليم (ص 19 - 22): "5 - ... أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يجدِّد لها دينها)).
[فهناك سؤال كبير خطير]: هل المقصود بذلك فرد أو إن المقصود ما هو أوسع من ذلك؟
فأما لفظ «مَنْ» فمما لا يخفى أنه يطلق على المفرد وعلى الجماعة -من حيث اللفظ-، ومن حيث المراد بها في الحديث على لفظ (عالم). [هامش: انظر: فتح الباري: 13/ 295، وفيض القدير: 1/ 10].
واختار هذا الرأي عدد من العلماء، ونسبه السيوطي إلى الجمهور فقال:
وكونه فرداً هو المشهور قد نطق الحديث والجمهور
[هامش: التنبئة: ق 18/ب]
ونسبه غيره إلى (العلماء) [هامش: بذل المجهود: 17/ 203].
واختار آخرون العموم؛ منهم: الحافظ ابن حجر، وابن الأثير، والذهبي، والمناوي، والعظيم آبادي، وغيرهم.
[وحديث الطائفة المنصورة يرجح الثاني، ولذلك؛ فأهم صفاتها:]
1 - موافقة [عقيدتها] لما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في أبواب [التوحيد] كلها: من أسماء الله وصفاته، والإيمان، والقدر، إلى غير ذلك من أصول الاعتقاد. وأسعد الناس بذلك هم الذين يؤمنون بالنصوص [كتاباً وسنة] إيماناً صادقاً دون أن يسلطوا عليها سهام التحريف والتأويل والإنكار والتضعيف [نقيض معناه]!
2 - اعتمادها في التفقه والاستنباط على الوحي المنزل، أو على ما أحال عليه الوحي المنزل من الأدلة؛ كالإجماع الثابت، أو القياس الصحيح، أو المصلحة الراجحة التي لا تعارض نصاً من النصوص. وأين من ذلك الذين نبذوا النصوص، وتشبثوا بأقوال الأئمة وقدموها على الوحي المنزل؟!
وليس يعنى هذا: نبذ أقوال أهل العلم المعتبرين ونشر الفوضى بين المسلمين، وفتح المجال [لحدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام].
3 - ومن الخصائص المهمة لأهل الحديث: الحرص على العمل بالشرع والتزام الأوامر والنواهي.
إن المعرفة الصحيحة بالله التي يحرص عليها أهل الحديث ليست هي المعرفة الذهنية، بل هي المعرفة القلبية التي ينتج عنها [الإخلاص]، والخوف، والرجاء، والمراقبة، [والانقياد].
ولذا كان الأئمة السابقون حين يذكرون [السلف أهل الحديث يعدون] من خصائصهم: المحافظة على المفروضات، والسنن، والمستحبات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الرحم، وحب المساكين، والإحسان إلى الجيران.
قال الإمام أبو عثمان الصابوني [هامش: (عقيدة السلف وأصحاب الحديث) ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (1/ 131)]: ( ... ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات، وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات، ويوجبون قراءة الفاتحة خلف الإمام، ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتماً واجباً، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها، ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، ويتحابون في الدين ويتباغضون فيه ... ).