فإِذا جاءَ (عبدالكريم) هكذا غير منسوبٍ في سندٍ من تلك الأَسانيدِ المشتركةِ، وجاءَ في رواية أُخرى (عبدالكريم الجزري) هكذا منسوبًا، لم يجزْ بداهةً ادّعاءُ أنّه البصريُّ! هذا حالُ أُولئك المكابرين تمامًا، ولذلك فقد أَصابَهم شيءٌ من رشاشِ كلامِ الحافظِ المتقدم.
وقد يجادلُ بعضُهم فيقول: المثالُ مختلفٌ؟ فنقولُ سلفًا: لا اختلافَ إِلاّ بالنسبةِ لِنَفْيِكم، وهو باطلٌ لا قيمةَ له كما تقدّمَ تحقيقُه.
وأوَضّحُ ذلك للقرّاءِ الكرامِ فأَقول:
لقد اشترك (عبدالرحمن بن إِسحاقَ القرشيّ) مع (عبدالرحمن بن إِسحاق الواسطيّ) في الروايةِ عن (سيار أبي الحكم)، وروى عن كلٍّ منهما أَبو معاويةَ الضرير، فوقعَ (عبدالرحمن بن إِسحاق) - هكذا غير منسوبٍ- عند بعض المخرّجين للحديثِ، ووقعَ عند غيرِهم (عبدالرحمن بن إسحاقَ القرشيّ) هكذا منسوبًا، فكيفَ جازَ لهم ادّعاءُ أنّه (الواسطيّ) مع أنّه لم يُنسب في السند، وإِنكارُ أنّه القرشيُّ، وقد جاءَ منسوبًا فيه؟ فقد ظهرَ جليًّا أنَّ المثالَ مطابقٌ تمامًا للمُمَثّلِ له.
وأَمّا مضعّفُ الأحاديثِ المصححةِ (حسان عبدالمنان) الّذي سبقت الإِشارةُ إِليه، فقد شارك المذكورين في الخطأ والمكابرةِ استقلالاً أو تقليدًا - لا أَدري، وأَحلاهما مُرٌّ- فإِنّه اقتبسَ تخريجَه للحديثِ من تخريجي إِيّاه في الطبعاتِ السابقةِ، فقال (ص 552) من "ضعيفته": "أَخرجه الترمذيُّ (3558)، وأَحمدُ (1/ 153)، والحاكم (1/ 538) من طريق عبدالرحمن بن إِسحاق عن سيار. قلت: وعبدالرحمن بن إِسحاق هذا مجمعٌ على ضعفِه، وهو منكر الحديث. [وافقني على تضعيفِه الشيخ شعيب] ".
فليتأمل القرّاء في هذا التخريج، يجد فيه على اختصارِه آفاتٍ:
الأُولى: سرقة التخريج كما أَشرتُ آنفًا، والدليلُ أنَّهِ قلدني في عزوي إِيّاه لأَحمد سابقًا في الجزء والصفحة، والصواب "عبدالله بن أْحمد" كما تقدّم.
الثانية: التدليسُ باختصارِه من الإِسنادِ نسبة (القرشيّ) الثابتة في تخريجي؛ ليمهِّدَ بذلك تضعيفَه للحديث بالواسطيّ!
الثالثة: تجاهلُه - مع الذين سبقتِ الإِشارةُ إِليهم- ثبوتَ نسبةِ (القرشيّ) في "المسند" و"المستدرك"، لكن يردُ هنا الاحتمالُ الّذي ذكرته هناك، وهو الاتكالُ في التخريجِ على عزوِ غيرِهم، وعدمُ الرُّجرعِ إِلى "المستدركِ" مباشرةَ، وهذا هو الأَقربُ بالنسبةِ لـ (حسان) للدليلِ المذكورِ في الآفةِ (الأُولى)، وسواءٌ كانَ هذا أَم ذاك فأَحلاهما مُرّ.
وهناك ناسٌ آخرونَ تتابعوا، منهم الدكتور محمد سعيد البخاري، ولقد كانَ جريئًا في التوهيم - مثل شعيب وأَعوانِه- فإِنّه علقَ على الحديثِ في "كتابِ الدعاءِ" للطبرانيِّ مضعِّفًا له بالواسطيّ! ذلك أنّه بعد أَن نقلَ تحسينَه عن الحافظِ ابن حجر، وتصحيحَه من الحاكمِ، والذهبيِّ، عقّبَ عليه بقولِه (2/ 1283): "قلت: ولعلّه اشتبه عليهما عبدالرحمنِ بن إِسحاقَ الواسطيّ بعبدالرحمنِ بن إِسحاقَ القرشيّ، وهو صدوق، ولا يروي عن سيار أبي الحكم".
فيا للعجبِ من هذا الدكتورِ وتعقيبه عليهما، كيفَ ينسبُ الوهمَ إِليهما وفي إِسنادِهما أنّه (القرشيّ)؟! والله، إِنَّ تتابعَ هؤلاءِ على هذا التضعيفِ، والتوهيمِ، والمكابرةِ لإِحدى الكُبَر!
ولقد كانَ يكفي هؤلاءِ رادعًا عن مضيِّهم في تتابعِهم أن يتذكروا -مع علمِهم باتفاقِ العلماءِ على تضعيفِ الواسطيّ- حقيقة أُخرى، وهي اتفاقُ كلِّ من أَخرجَ الحديث أَو نقلَه مسلّمين بصحتِه وحسنِه، وفيهم من ضعفَ الواسطيّ، وهم: 1 - الترمذي، 2 - الحاكم، 3 - المنذري، 4 - النووي، 5 - ابن تيميّة، 6 - الذهبيّ، 7 - العراقيّ، 8 - العسقلانيّ.
وأَصحابُ الأَرقام (1 و 3 و 6 و 8) ممّن ضعّفَ الواسطيّ، فيبعد والحالةُ هذه - إِن لم أقل: يستحيلُ- أَن يتفقَ مثلُ هؤلاءِ الحفّاظِ على تقويةِ الحديثِ وفيه (الواسطيّ) المتفق على تضعيفِه، وفيهم من صرّحَ بتضعيفِه كما بينتُ، ثمَّ يأتي بعضُ الناشئين ممّن لا علمَ عندهم - كعلمِهم على الأَقلِّ - فيخالفونهم بمجرّدِ الدعوى والجهلِ والتوهيم للثقاتِ! وليس هذا فقط، بل ويخالفونَ ثمانيةً من الحفّاظِ تتابعوا على تقويةِ الحديثِ على مرِّ القرونِ دون أَن يُعْرفَ أيُّ مخالفٍ لهم، إلاّ من هؤلاءِ الخلفِ بدونِ حجّةٍ أَو برهانٍ، والله المسُتعانُ".