خامسها أنها قد وردت نصوص كثيرة تتضمن بمؤداها النص على منع القياس، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ والمعنى ليس للمؤمنين أن يشرعوا ما لم يأت به الله ورسوله، والقياس من هذا الباب المنهي عنه ...
وإن نظرة واحدة إلى هذه الأدلة نجدها تبنى على أصلين:
أحدهما: أن النصوص القرآنية والنبوية قد أتت بكل الأحكام: لازمها ونقلها ومكروهها ومباحها.
والثاني: أن القياس زيادة على النصوص الكاملة بعمل الإنسان، لا بشرع الديان.
وترى الأصل الأول واضحاً في الدليل الأول والثاني والرابع والخامس، والأصل الثاني واضحاً في الدليل الثالث.
وإنه بمناقشة الأصل الأول يتبين أنه موضع تسليم عند الجمهور، فالجمهور يقطعون بأن النصوص قد أتت على بكل شيء ولم تبق شيئا من غير بيان بالعبارة أو بالإشارة، بيد أن الظاهريين يقصرون البيان على العبارة وحدها، ولا يتجاوزونها، والجمهور يوسعون معنى الدلالة، فيقولون: إن الدلالة على الأحكام بألفاظها، وبالدلائل العامة التي تبينها مقاصد الشريعة في جملة نصوصها وعامة أحوالها، فإذا قال الشارع مثلا: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ كان ذلك نصا على الخمر بالعبارة، وفيه دلائل تشير إلى أن كل ما فيه ضرر غالب يكون حراما ...
وفي الحق إن نفاة القياس قد أخطئوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أداهم إهمالهم إلى أن قرروا أن بول الآدمي نجس للنص عليه، وبول الخنزير طاهر لعدم النص، وأن لعاب الكلب نجس وبوله طاهر ... ".
قلت: هكذا سرق طارق عبدالحليم كلام الشيخ أبو زهرة، وهذا واضح، واختصاره قد أخل بفهم بعض العبارات! لأن عبارته عامية! في حين أن عبارة الشيخ أبو زهرة عبارة أصولية متينة.
وجاء في كلام طارق الذي سرقه واختصره: "بول الآدمي طاهر وبول الخنزير نجس"! والأصل هو العكس: "بول الآدمي نجس وبول الخنزير طاهر".
نتابع المقارنة:
قال طارق عبدالحليم: "أركان القياس:
الأصل: هو نص أو إجماع فلا يصح عند الجمهور القياس على قياس، وذلك لأنه إن كانت العلة في القياس الثاني هي المشتركة مع الأول فإنها مشتركة مع النص الأصلي فيكون الأصل هو المعوّل النص الأصلي. وقد اعتبر المذهب المالكي القياس على الفرع كمبدأ خلافا للجمهور وهو معمول به في القوانين الوضعية. أما عن الإجماع فمثل ثبوت الولاية على مال الصغير بالإجماع فيقاس على الولاية المالية الولاية في الزواج. وقد رد الجمهور على من قال أن العلة في الإجماع غير ظاهرة لأن النص ليس معروفاً، بأن العلة قد لا تكون ظاهرة في النص بطريق اللزوم، فمثلا حديث "الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والبر بالبر مثلا بمثل يدا بيد والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد" قد اختلف فقهاء المذاهب في تعليله:
ذهبت الحنفية إلى أن العلة هي المماثلة في الكيل والوزن واتحاد الجنس في المثلية، ووجودهما معاً هو العلة الكاملة وأحدهما هو الناقصة، ففي حالة اجتماع الاثنين تحرم الزيادة والتأجيل، والمماثلة في الكيل والوزن تمنع التأجيل، والمماثلة في الجنس تمنع الزيادة، فتصح الزيادة في بيع قمح بشعير لأن الجنس غير متماثل.
ذهب الشافعية أن ذلك للطعم والثمنية – الطعم في المأكولات والثمنية في الذهب والفضة- إذ أن التمحك والمساومات في المطعومات الضرورية للحياة يعرضها للاحتكار وفي المثمّنات كالذهب والفضة لا يصح أن تكون عرضة للمساومات إذ هي مقاييس للأشياء. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بع التمر واشتر بالثمن الرطب) ".
قال الشيخ محمد أبو زهرة: "أركان القياس:
قلنا: إن القياس هو إلحاق حكم واقعة ... الأصل: وهو المصدر من النصوص الذي بين الحكم ...