2 - الجمع بين المتماثلين والتفرقة بين المختلفين: كما سبق أن ذكرنا فإنها قاعدة عقلية هامة ملزمة إذ بدونها تنهار المبادئ العامة للعدالة والمساواة اللتين هما مقصدين من مقاصد الشريعة, وقد أثبت الله سبحانه الأمثال في القرآن وهي تفيد أن حكم الشيء هو حكم نظيره كقوله سبحانه ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم﴾ وغيره في القرآن كثير [راجع أعلام الموقعين:1/ 50].
حجج نفاة القياس ... " انتهى.
قلت: وهذا اختصره اختصاراً مخلاً! من كلام الشيخ محمد أبو زهرة الطويل والمفصّل في هذا الباب.
قال الشيخ أبو زهرة في كتابه (أصول الفقه) (ص 221):
"حجية القياس:
ولا شك أن منهاج الجمهور أهدى سبيلا، وأقوم قيلا، وأدلته مشتقة من المنطق العقلي، وقد بيناه، ومن منهاج النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرشدنا إليه، ومن النصوص القرآنية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، وليس الرد إلى الله وإلى الرسول إلا بتعرف الأمارات الدالة منهما على ما يرميان إليه، وذلك بتعليل أحكامهما والبناء عليها، وذلك هو القياس.
إن القرآن الكريم يومئ إلى تعليل الأحكام، ويعلل بعضها بالفعل عند ذكر حكمها، وبيان مقاصدها فهو يذكر حكمة القصاص فيقول سبحانه: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾، وقد علل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالزواج من زينب التي كانت مع زوج تبناه النبي هو زيد بن حارثة فقال سبحانه: ﴿لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾. وعلل سبحانه وتعالى توزيع على الفقراء والمساكين واليتامى وذوي القربى وأبناء السبيل بمنع أن تكون متداولة بين الأغنياء وحدهم، فقال سبحانه: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾. وعلل سبحانه تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل بظلمهم فكان التحريم ليفطموا نفوسهم عن شهواتها، ولذا قال سبحانه: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ ...
وليس تعليل الأحكام بذكر حكمها إلا إشارة قرآنية واضحة إلى وجوب القياس حيث لا نص .. وإن السنة أيضاً قد أشارت إلى تعليل الأحكام، ونصت على بعض العلل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تعليل وجوب الإذن عندما يدخل الإنسان غير بيته: (إنما جعل الإذن من أجل البصر) ... والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهى الصحابة عن ادخار لحوم الأضاحي ثم أباحها لهم، وقال في علة النهي: (إنما جعلت ذلك من أجل الدافة) ... ".
وكان قال قبل ذلك في الكلام على تعريف القياس: "فهو إذن من باب الخضوع لحكم التماثل بين الأمور الذي يوجب التماثل في أحكامها، لأن قضية التساوي في العلة أوجدت التماثل في الحكم، فهو إذن مشتق من أمر فطري تقره بدائة العقول، إذ أساسه ربط ما بين الأشياء بالمماثلة إن توافرت أسبابها، ووجدت الصفات المتحدة المكونة لها وإذا تم التماثل في الصفات فلا بد أن يقترن به حتما للتساوي في الحكم على قدر ما توجبه المماثلة ... وقد قال ابن القيم: (مدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، ولو جاز التفرقة بين المتماثلين لخرق الاستدلال وغلقت أبوابه) ... ".
قلت: هكذا اختصر (طارق عبدالحليم) تأصيل وتفصيل الشيخ أبو زهرة وزاد في آخره طامة!! فقال: "وقد أثبت الله سبحانه الأمثال في القرآن وهي تفيد أن حكم الشيء هو حكم نظيره كقوله سبحانه ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم﴾ وغيره في القرآن كثير [راجع أعلام الموقعين:1/ 50] ".