تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للدين أعداء، وظهرت مقالات سخيفة واعتراضات فاسدة، وتحريف وتبديل

ولكن كان العلماء على قلتهم وكدهم ممتطين هممهم العالية عند كل بادرة من ذلك

بدافع الشرع، منتضين عزمهم القوي وبراهينهم الساطعة، فلا تظهر شبهة إلا

كانوا أول من يقتلها بحثا، ويقف على منشئها أكثر من صاحبها حتى يعود الحق

جليا والضال مهديا.

يشهد بذلك علم الكلام الذي ما تكون إلا من ذلك، ويشهد بذلك تلك المصنفات

العديدة في رد الشبهات، ويشهد بذلك تاريخ علماء الإسلام ومناظراتهم التي كانوا

يقيمونها في كل زمان ومكان، ويشهد بذلك علم الخلاف والجدل وعلم آداب البحث

والمناظرة.

نقول هذا ونقدمه إلى فضيلتكم بمناسبة فشو دعاية الإلحاد في هذا الزمان،

والمجاهرة كل وقت بمحاربة الدين والقضاء على آدابه وأحكامه ممن لم يدرسوا منه

كلمة واحدة، ونحن من ذلك في سكوت عميق حتى اتخذوا من سكوتنا دليلا قويا

على عجزنا، واستطرد منه الجاهلون إلى أن ذلك العجز إنما هو في نفس الدين،

فأصبحنا بذلك حجة على ديننا، وسدا بينه وبين الناس، شغلا منا بمصلحة التعليم

البحتة عن نتيجة ذلك التعليم، ولم يقف التشكيك في الدين وتسريب الريب فيه إلى

المسلمين على أولئك الذين لم يدرسوه فحسب، حتى نجم اليوم ناجم، ونطق بعد

دهره ناطق، لم يشأ أن يباحث العلماء في خواطر نفسه قبل أن يفاجئ الناس بها،

وأخرج للناس كتابا سماه (الإسلام وأصول الحكم) بصفة كونه عالما من علماء

الأزهر، وقاضيا من القضاة الشرعيين ملأه بالشك والترديد، وأنكر أشياء لا نعلم

إلا أنها معلومة من الدين بالضرورة باتفاق العلماء.

أنكر الخلافة وأنها مقام إسلامي واجب بالشرع، وأفاض في النعاية على

معتقديها من عهد أبي بكر إلى الآن، ولم يبال في ذلك بمس الصحابة أو الخلفاء

الراشدين، من أن عملهم عليها كان من قبيل الملك لا من قبيل الدين! وهكذا

أنكر القضاء وسائر صنوف الحكومة، وأنها ليست من الدين في شيء.. . حاول

أكثر من ذلك في القسم الثاني من كتابه: أن النبي كان نبيا فحسب أم كان نبيا ملكا؟

وأكثر من الترديد في ذلك، ومراودة العقول عليه، وبسط الاعتراضات وأوجز

الإجابة الواهية، ليعبر عابر من ذلك إلى أن سنة النبي صلى الله وآله وسلم التي

هي توأم الكتاب العزيز وبيانه، وديوان الشرع وأدلته التفصيلية إنما هي أحكام

محلية وقتية تنتهي بانتقاله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن نأخذ بها الآن، ولا

أن نقيمها في أي زمان أو مكان، بل نأخذ في كل شئوننا ومرافقنا بآخر ما أنتجته

العقول البشرية: أي (طبعا من أمثال رجال أوربة وأمريكا المسيحيين) وكثير

من خصوم الدين من يتشدقون بذلك، فكيف يكون انتصارهم إذا رأوا بارقة تلوح

لهم بذلك من عالم من علماء المسلمين.

فنرغب إلى مقامكم السامي ورياستكم العظمى على تلك المصلحة الكبرى،

مصلحة الدين التي تتمتع بكل الصفات المرعية في مصالح الدولة، من قوانين

عالية، وإرادات سنية، ومقام لدى ولي الأمر لا يدانيه مقام، وكرامة في الأمة

دونها كل كرامة، ومسئولية عند الله تعالى دونها كل مسئولية، نرغب إليكم وأنتم

بهذه الصفة العالية أن تتخذوا الدفاع عن الدين وتأييده بالحجة والبرهان جميع وسائل

النفوذ المشروعة التي تخولها لكم القوانين؛ حتى تظفروا به على كل خصم،

وتنجلي آياته الباهرة رغم كل تشكيك، كما هو الشأن في حماية كل مصلحة من

مصالح الدولة.

كما أننا نرغب إلى فضيلتكم أن تساعدوا هذه الهيئة الدينية العظمى في النزول

إلى معترك الحياة العامة، ومشاركة الناس في مصالح الحياة؛ إعلانا بأن الدين لا

ينافي الدنيا بل إنما جاء لصلاحها، والعمل على رفع الشر والظلم منها، وبث

العدل والأمن فيها، وأن يدرس رجال الدين كل ما يطرأ عند الناس من شبهة في

الدين؛ ليكشفوا عنها اللثام، ويعود الخلاف في الأمة وفاقا، وتأمن الأمة شر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٨٦