المنوط به التوسع في المسائل الشرقية أن يرخي لنفسه العنان في هذا الميدان،
فيقول ما شاء من أنباء معزوة وغير معزوة، وآراء معقولة وغير معقولة، ولم تعد
تحسب لما يكشفه المستقبل حسابا، فكانت في الدعاية لهؤلاء الجاهلين مثلهم على ما
أوتي أصحابها من علم وخبرة وتجارب، ولا نبحث هنا عن علة ذلك وسببه من
سياستهم، ولا فيما هنالك من معاملة مالية بينها وبينهم.
دع ما أذاعوه عن موت ابن السعود بالسل، ودع تأويل أكذوبتهم بعد ظهورها
بأنه مسلول في الدرجة الأخيرة التي لا تطول معها الحياة، فإن هذا وذاك مما
عددناه نحن محتمل للصدق، حتى كذبته لنا أنباء البرق، وتذكر إن كنت ناسيا ما
كانت تنشره من أخبار قوة الملك علي الحربية، من جيوش نظامية وبدوية،
وأسلحة لا تقل عن أسلحة الجيوش الألمانية، من سيارات مدرعة ودبابات مروعة،
وطيارات مسلحة تحلق في الجواء، وأساطيل مواخر في الدأماء، وجحافل تترى
حتى يكاد يضيق بها رحب الفضاء، ومن سعي الملك علي الدستوري تارة للصلح
على ما أوتي من قوة وبأس شديد، كراهة لسفك الدماء وإيثارا للمودة على البغضاء،
واحتراما لأرض الحرم المقدسة، وعزمه تارة أخرى على مطاردة الوهابيين
وانتزاع الحرم منهم بالقوة، ثم الزحف على بلادهم، أو يدخل بلدة الرياض عاصمة
سلطنتهم،
هذا من جهة أو من الجهة الواحدة، ومن جهة أخرى - كما تعبر (المقطم)
أن ما عليه الإخوان الوهابيون من الفقر والعوز، وقلة السلاح والذخيرة، والحرمان
من النظام والدربة، ومن وقوع الشقاق بينهم، وخروج بعض القواد على سلطانهم،
واشتعال نيران الفتن في عقر دارهم، والأخطار التي تساورهم من القبائل التي
في جوارهم - كل ذلك من آيات خذلانهم وسوء عاقبة سعيهم.
ومن جهة ثالثة - وإن لم تكن من هجيرى الكاتب - أن ولي عهد إمام اليمن قد
خطب قومه يغريهم بالوهابيين المخالفين في الدين، والمنابزين للزيديين، وأن
هبوات الزحف اليمانية وقسطل سنابك الخيل الزيدية، ستغشى بلاد الحجاز من
الجنوب، فتتلاقى مع جحافل الحجاز من الشمال، وتلتف حول هؤلاء الشراذم من
الإخوان ذات اليمين وذات اليسار، فتحيط بهم من كل مكان، حتى لا يتفلت منها
إنسان.
ومن مزاعم المقطم في هذه الجهة أن سلطان نجد لم يدع الإمام يحيى إلى
مؤتمر الحجاز، والحق أنه دعاه، وأنه أول من أجاب الدعوة.
ومن جهة رابعة أن العالم الإسلامي سيكون إلبا واحدا على هؤلاء الوهابية
تشيعا للأسرة الهاشمية، كما تقتضيه معارف محرري " المقطم " الإسلامية، ولا
سيما بعد أن اتهمهم الصادق المصدوق الصديق الملك علي الهاشمي الدستوري
وكتاب دعايته بهدم القبة الخضراء، المظللة لقبر أفضل من أظلت السماء،
وأقلت الغبراء، صلوات الله تعالى عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأولياء،
وبهدم قبر سيد الشهداء (حمزة رضي الله عنه) إلخ.
ومن جهة خامسة أن مما انفرد به (المقطم) دون أجراء دعاة البيت الهاشمي
على الاختلاق، تلك المواد التي صورها للمؤتمر الذي عقد بين السلطان والجنرال
جلبرت كلايتن ومن معه من مندوبي العراق لتسوية الحدود بين نجد وبين العراق
وشرق الأردن، فقد ادعى المقطم أنه وقف على ما تقرر فيها، ونشر مواد تنفر
العالم الإسلامي من سلطان نجد. كذبتها الحكومتان الإنكليزية ثم النجدية، ولكن بعد
أن صدقها الكثيرون في الشرق والغرب ونقلتها عنه صحف كثيرة، لا يخطر في بال
أصحابها أن المقطم تكذب كذبا صريحا في أمثال هذه المسائل التاريخية
الرسمية.
ويشبه هذه المواد في ظهور كذبها بعد نشرها تلك المواد التي لفقتها،
والشروط التي زورتها، في شأن تسليم الملك علي للسلطان ابن السعود في جدة،
وكانت إحدى الجرائد ظنت أن المقطم تلقاها من الوكالة العربية فنقلتها وعزتها إلى
الوكالة، فنفاها الشيخ عبد الملك الخطيب وتبرأ منها، ثم جاءت جريدة أم القرى