تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ظل لهم، وأنه ليس لهم عصبية قومية يتملكون في ظلها وأنه لم يكن لهم ولا

لسلفهم من أمراء مكة حسنة في الحرمين الشريفين في علم ولا عمل يستميلون بها

أهل الحجاز ولا غيرهم من العرب أو المسلمين بتمنيتهم العود إلى مثله، بل لا

يحفظ التاريخ عنهم منذ بضعة قرون إلا الظلم والإلحاد في الحرم، وإنما كان أمراء

مكة ينصبون من قبل الدولة المصرية ثم الدولة العثمانية، ويظلمون الناس من

حجاج وحرميين في ظلهما.

وقد انتفخوا في هذا الزمن كبرا وعتوا وغرورا بما كان من ميل الإنكليز

الخادع لهم، حتى لم يبق في أدمغتهم ولا قلوبهم أدنى ولا أصغر موضع لنصح

ناصح ولا تذكير مذكر، فقد نصحنا ونصح غيرنا لكبيرهم ولصغيرهم بأنه لا رجاء

لهم في حفظ سلطانهم في الحجاز إلا بقوة أمتهم واتحادها وتضمانها، وأن هذا

الاتحاد لا يمكن حصوله في جزيرة العرب إلا على قاعدة الحلف بين حكوماتها

المسلحة، وأعظمها وأقواها حكومتا نجد واليمن، وضمنا لهم إقناعهما بذلك إذا

رضي به حسين، ولكن حسينا لم يرض أن يتنزل درجة من عرش سماء عظموته

وجبروته، ولا أن يتحول خطوة عن جعل جميع البلاد العربية وفي مقدمتها اليمن

ونجد خاضعة لإمبراطوريته وخلافته، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، وإنما كان قصارى

تواضعه أن يعد بالسماح لكل من إمامي اليمن ونجد باستقلال إداري في بعض البلاد

الخاضعة لهما الآن، وهو ما كان خاضعا لهما قبل الحرب الكبرى، وهو على هذه

الكبرياء والغرور والدعوى لم يتخذ لملكه قوة عسكرية تكفي لحفظ الحجاز من

التعدي عليه، ولم يقدر أن يخضع قبائله لطاعته، بل اكتفى من عظمة الملك

بالألقاب والرتب الدولية وأسماء الوزارات الصورية، والموسيقى الملكية، فكان

كما قال الشاعر:

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

غر حسينا وعود الإنكليز الخادعة؛ لأنه يجهل تاريخ الهند وما هو أقرب

منه إليه وهو تاريخ مصر الحديث.

ثم غر حسينا مبايعة جمهور من الفلسطينيين والسوريين بالخلافة العظمى،

فظن أنه صار إمام المسلمين الأعظم، وكان قبلها يحتقر إمام اليمن وسلطان نجد،

فصار بعدها يحتقر مصر والهند، ويقول فيهما ما قال مالك في الخمر، بل صرح

بتكفير المصريين وشبههم بالأنعام، وصد حكومتهم عن إرسال ركب الحج وما

يتبعه من الأموال والأرزاق إلى أهل الحجاز، وألف لجنة لتضع له المطاعن في

بعض الكتب الإصلاحية ومؤلفيها من المتقدمين والمتأخرين ليبلغ العالم الإسلامي

الامتناع من قراءتها، بما له من السيطرة الدينية بزعمه لانتحاله لمنصب الخلافة،

وللدعاوى العريضة التي كان يمتع بها نفسه بما ينشره في جريدته (القبلة) .

ومما زاد حسينا غرورا بنفسه تلك الكنوز التي كنزها من مال الرشى الذي

أفاضه عليه الإنكليز وعلى أولاده في عهد الحرب، فقد بلغ - كما روي عن (مستر

لورانس) المستشرق الذي كان يدير دفة سفينة الشرفاء في لجج الصحراء -

ثمانية وأربعين مليونا من الجنيهات الذهبية، وما كان يبتزه من مال السحت في كل

عام من الحجاج وأهل الحجاز جميعا، وقد بينا أنواعه في الخطاب العام الذي نشرناه

في المنار.

ومما زاده وزاد أولاده غرورا تزلف كثير من المنافقين لهم، واصطناعهم

لبعض الجرائد العربية التي تطريهم وتدافع عنهم وتغش الناس بهم، وتجعل

سيئاتهم حسنات، وتهون أمر خصمهم وتنفر العرب والمسلمين منه، ولا سيما

سلطان نجد وقومه، وفي مقدمة هذه الجرائد (المقطم) الذي ثبت على إمداد حسين

فعلي في الغي والغرور، ونصره دعايتهما بالإفك وقول الزور. فصبرا وصابرا

إلى أن قضى الله عليهما، وأدال لخصمهما منهما، ولم يستفيدا من هذه المصابرة

إلا خسارة القناطير المقنطرة من الذهب التي جمعاها من السحت والظلم،

وفضيحتهما فيما اختلقا واختلق لهما أنصارهما من الطعن في ابن السعود وقومه.

***

دعاية المقطم لحسين وأولاده

أسرفت جريدة المقطم في الدعاية الحجازية، وسمحت لأحد محرريها بلقبه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٧٤