تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى الحكم بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان رسولا وملكا، فسوف يعترضه حينئذ

بحث آخر جدير بالتفكير، فهل كان تأسيسه - صلى الله عليه وسلم - المملكة

الإسلامية، وتصرفه في ذلك الجانب شيئا خارجا عن حدود رسالته صلى الله عليه

وسلم؟ أم كان جزءا مما بعثه الله له، وأوحى به إليه؟ فأما أن المملكة النبوية عمل

منفصل عن دعوة الإسلام، وخارج عن حدود الرسالة، فذلك رأي لا نعرف في

مذاهب المسلمين ما يشاكله، ولا نذكر في كلامهم ما يدل عليه، وهو على ذلك

رأي صالح لأن يذهب إليه، ولا نرى القول به يكون كفرا ولا إلحادا، وربما كان

محمولا على هذا المذهب ما يراه بعض الفرق الإسلامية من إنكار الخلافة في

الإسلام مرة واحدة. ولا يهولنك أن تسمع أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - عملا

كهذا خارجا عن وظيفة الرسالة، وأن ملكه الذي شيده هو من قبيل ذلك العمل

الدنيوي الذي لا علاقة له بالرسالة، فذلك قول إن أنكرته الأذن - لأن التشدق به

غير مألوف في لغة المسلمين - فقواعد الإسلام، ومعنى الرسالة وروح التشريع

وتاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لا يصادم رأيا كهذا ولا يستفظعه،

بل ربما وجد ما يصلح له دعامة وسندا، ولكنه على كل حال رأي نراه بعيدا) .

فعلم من كلامه هذا أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي - صلى الله عليه

وسلم - كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين،

وهذا أقل ما يؤخذ عليه في مجموعة نصوصه.

على أنه لم يقف عند هذا الحد، بل كما جوز أن يكون الجهاد في سبيل الملك،

ومن الشؤون الملكية جوز أن تكون الزكاة والجزية والغنائم ونحو ذلك في سبيل

الملك أيضا، وجعل كل ذلك على هذا خارجا عن حدود رسالة النبي صلى الله عليه

وسلم، لم ينزل به وحي، ولم يأمر به الله تعالى.

ومن حيث إن دفاع الشيخ علي بقوله: (إننا قد استقصينا الكتاب أيضا فلم

نجد ذلك القول فيه، وربما كان استنتاجا لم نهتد إلى مقدماته) . غير صحيح؛ لأن

ما اتهم به نجده صريحا في صحيفة 52 و53 و54. وفي ص55 حيث يقول:

(وهو على ذلك رأي صالح لأن يذهب إليه، ولا نرى القول به يكون كفرا ولا

إلحادا) ، وحيث يقول بعد ذلك: (فقواعد الإسلام، ومعنى الرسالة، وروح التشريع

وتاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لا يصادم رأيا كهذا ولا يستفظعه،

بل ربما وجد ما يصلح له دعامة وسندا) .

ومن حيث إن دفاع الشيخ علي بقوله: (إنه رأي من الآراء لم نرض به،

ومذهب رفضنا آخر الأمر أن نذهب إليه) ، غير مطابق للواقع؛ لأنه قال: (وهو

على ذلك رأي صالح لأن يذهب إليه) إلى آخره، وقوله بعد ذلك: (ولكنه على

كل حال رأي نراه بعيدا) لا ينفعه، فإنه مع قوله: وهو على ذلك رأي صالح لأن

يذهب إليه، إلى آخره - أسلوب تجويز لا أسلوب رفض، يعرف ذلك من له إلمام

بالمنطق وأساليب الكلام.

وقال الشيخ علي في دفاعه بعد ذلك: (بل نحن قررنا ضد ذلك على خط

مستقيم ص70 حيث قلنا ... (وفي سبيل هذه الوحدة الإسلامية ناضل - عليه

السلام - بلسانه وسنانه) ، وقلنا في ص79: (لا يريبنك هذا الذي ترى أحيانا في

سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك

والدولة، فإنك إذا تأملت لم تجده كذلك، بل هو لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي

كان عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يلجأ إليها تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة، وليس

عجيبا أن يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل) .

ودفاعه هذا لا يجدي، فإنه زعم أن ما قاله هنا ضد لما اتهم به، والواقع أنه

ليس ضدا؛ لأنه ساقه محتملا أن يكون نضاله وجهاده - عليه الصلاة والسلام -

مما خرج عن حدود رسالته صلى الله عليه وسلم، وأن يكون جزءا مما بعثه الله له

وأوحى به إليه على الرأيين اللذين قررهما الشيخ علي، فالتهمة الموجهة إليه باقية.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٤٤