ناظراه، ثم قسهما على الحال وقد وقفت عليه، وتأملت طرفيه، فإنك تعلم بعد
ما بين حالتيك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى لديك، وتحببه إليك، ونبله في
نفسك، وتوفيره لأنسك، وتحكم لي بالصدق فيما قلت، والحق فيما ادعيت [7] .
وكذلك فتعهد الفرق بين أن تقول: فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ولا يفهم
منها شيئا، وتسكت، وبين أن تتلو الآية، وتنشد قول الشاعر: [8]
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... يجيدها إلا كعلم الأباعر [9]
لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوسافه أو راح ما في الغرائر
والفصل بين أن تقول: (أرى قوما لهم بهاء ومنظر، وليس هناك مخبر، بل
في الأخلاق دقة، وفي الكرم ضعف وقلة) ، وتقطع الكلام، وبين أن تتبعه نحو قول
الحكيم: أما البيت فحسن، وأما الساكن فرديء.
وقول ابن لنكك:
في شجر السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر
وقول ابن الرومي:
فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الأثمار كل الإباء
وقول الآخر:
فإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر [10] مذاق العود والعود أخضر
وانظر إلى المعنى في الحالة الثانية كيف يورق شجره ويثمر، ويفتر ثغره
ويبسم، وكيف تشتار الأري من مذاقته [11] ، كما ترى الحسن في شارته [12] وأنشد قول ابن لنكك:
إذا أخو الحسن أضحى فعله سمجا ... رأيت صورته من أقبح الصور
وتبين المعنى، وأعرف مقداره، ثم أنشد البيت بعده:
وهبك كالشمس في حسن ألم ترنا ... نفر منها إذا مالت إلى الضرر
وانظر كيف يزيد شرفه عندك، وهكذا فتأمل بيت أبي تمام: [13]
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
مقطوعا عن البيت الذي يليه، والتمثيل الذي يؤديه، واستقص في تعرف
قيمته، على وضوح معناه وحسن مزيته [14] ، ثم أتبعه إياه:
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وانظر هل نشر المعنى تمام حلته، وأظهر المكنون من حسنه وزينته،
وعطرك بعرف عوده، وأراك النضرة في عوده، وطلع عليك من مطلع سعوده،
واستكمل فضله في النفس ونبله، واستحق التقديم كله، إلا بالبيت الأخير، وما
فيه من التمثيل والتصوير، وكذلك فرق في بيت المتنبي:
ومن يك ذا فم مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
لو كان سلك بالمعنى الظاهر من العبارة كقولك: إن الجاهل الفاسد الطبع
يتصور المعنى بغير صورته، ويخيل إليه في الصواب أنه خطأ. هل كنت
تجد هذه الروعة؟ وهل كان يبلغ من وقم الجاهل ووقذه [15] وقمعه وردعه،
والتهجين له والكشف عن نقصه، ما بلغ التمثيل في البيت، وينتهي إلى
حيث انتهى وإن أردت [16] اعتبار ذلك في الفن الذي هو أكرم وأشرف؛ فقابل
بين أن تقول: إن الذي يعظ ولا يتعظ يضر بنفسه من حيث ينفع غيره، - وتقتصر
عليه - وبين أن تذكر المثل فيه على ما جاء في الخبر من أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج الذي يضيء للناس
ويحرق نفسه) ، ويروى (مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها) [17] ، وكذا،
فوازن بين قولك للرجل وأنت تعظه: (إنك لا تجزى على السيئة حسنة، فلا تغر
نفسك) وتمسك، وبين أن تقول في إثره: (إنك لا تجني من الشوك العنب وإنما
تحصد ما تزرع) ، وأشباه ذلك. وكذا بين أن تقول: لا تكلم الجاهل بما لا يعرفه
ونحوه، وبين أن تقول: (لا تنثر الدر قدام الخنازير. أو لا تجعل الدر في أفواه
الكلاب) ، وتنشد نحو قول الشافعي رحمه الله (أأنثر درا بين سارحة الغنم) [18]
وكذا بين أن تقول: الدنيا لا تدوم ولا تبقى، وبين أن تقول: (هي ظل زائل؛
وعارية تسترد، ووديعة تسترجع) ، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة)
وتنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع
وقول الآخر:
إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار