تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لارتقاء فنون البلاغة وملكتها، وارتقاء الآداب العربية من طور إلى طور في

القطر المصري عامة، وفي الأزهر خاصة، وإن خفي هذا السبب على الغافلين

الذين لا يشعرون بأسباب الأطوار، التي تطرأ على الأمم ومسبباتها، وارتباط

بعضها ببعض، فقد صار يوجد في الأزهر عشرات من الكتاب المجيدين، ولم

تكن تقدر أن تعد على أناملك أحدا منهم غير القدماء من تلاميذ السيد جمال الدين

وتلاميذه الأستاذ الإمام في إبان النهضة الجمالية، ومن أشهر الكتاب الذين طار

ذكرهم ممن حضروا الكتابين على الأستاذ الإمام المرحوم السيد مصطفى المنفلوطي.

بل أقول: إن جميع الذين قرءوا الكتابين كليهما أو أحدهما حتى في بلاد

الأعاجم قد ارتقت ملكة البيان فيهم شعروا بذلك أم لا، وإنما يشعر بمثل هذا

أصحاب اللوذعية والعقل الفقيه، فقد كتب إلي صديقي أكتب الكتاب، وأخطب

خطباء مسلمي الهند الشيخ أبو الكلام أحمد المجدد الشهير، يذكر لي أول عهده

بمعرفتي قبل تلاقينا في الهند سنة 1330، من كتاب طويل كتبه إثر خروجه من

السجن بعد الحرب ما نصه.

(وماذا أستطيع أن أقول عن نفسي غير أن قلبي ممتلئ بالاعتراف لكم

بخدماتكم الجليلة العلمية والعملية، فإني أحبكم وأحب من يحبكم، ولا غرو فإني قد

عرفتكم في صباي لما كنت أقرأ شرح التلخيص للتفتازاني،،، فقرأت أسرار

البلاغة ومقدمتكم عليه؛ فانفتح علي باب المعرفة الصحيحة، وهذا أول عهدي بكم

(أتاني هواها إلخ) ، ثم ذكر اطلاعه على المنار، وما كان من تأثيره في نفسه مما

ليس من موضوعنا.

وأقول: إنني رأيت من قوة فهمه للغة العربية أنني كنت ألقي الخطبة في الهند

في ساعتين أو أكثر من الزمن؛ فيقوم هو فيعيدها باللغة الأوردية، لا يفوته

منها شيء.

كنت عند طبعي لأسرار البلاغة سنة 1319 نشرت نبذة منه على سبيل

النموذج، وقد رأيت أن أنشر عند إعادة طبعه الآن نموذجا أطول من ذلك

النموذج؛ ليكون مثلا لما وصفت، ودليلا على ما قررت، قال مؤلفه

رحمه الله تعالى.

***

(فصل)

في مواقع التمثيل وتأثيره

واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو

برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها

أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في

تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة

وكلفا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا. فإن كان مدحا كان أبهى

وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب

للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأفضى له بغرر

المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر.

وإن كان ذما كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده

أحد، وإن كان حجابا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر , وإن كان

افتخارا كان شأوه أبعد، وشرفه أجد، ولسانه ألد [1] , وإن كان اعتذارا كان إلى

القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، ولغرب الغضب أفل، وفي عقد

العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث [2] , وإن كان وعظا كان أشفى للصدر،

وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغياية [3] ، ويبصر

الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل , وهكذا الحكم إذا استقريت فنون القول

وضروبه، وتتبعت أبوابه وشعوبه [4] ، وإن أردت أن تعرف ذلك، وإن كان تقل

الحاجة فيه إلى التعريف، ويستغنى في الوقوف عليه عن التوقيف، فانظر إلى

نحو قول البحتري:

دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب [5]

كالبدر أفرط في العلو وضوءه ... للعصبة السارين جد قريب [6]

وفكر في حالك وحال المعنى معك، وأنت في البيت الأول لم تنته إلى الثاني،

ولم تتدبر نصرته إياه، وتمثيله له فيما يملي على الإنسان عيناه، ويؤدي إليه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٣٣