فهذه جملة من القول تخبر عن صيغ التمثيل، وتخبر عن حال المعنى معه،
فأما القول في العلة والسبب: لم كان للتمثيل هذا التأثير؟ وبيان جهته ومعناه، وما
الذي أوجبه واقتضاه، فغيرها. وإذا بحثنا عن ذلك وجدنا له أسبابا وعللا، كل
منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثيل وينبل، ويشرف ويكمل، فأول ذلك وأظهره
أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد
مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به
في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر، إلى
ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها
من جهة الطبع، وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من وجهة النظر والفكر في
القوة والاستحكام، وبلوغ الثقة فيه غاية التمام، كما قالوا: (ليس الخبر
كالمعاينة) [19] ، ولا الظن كاليقين. فلهذا يحصل بهذا العلم هذا الأنس: أعني الأنس
من جهة الاستحكام والقوة، وضرب آخر من الأنس وهو ما يوجبه تقدم الألف كما
قيل:
ما الحب إلا للحبيب الأول ...
ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس أولا من طريق الحواس والطباع، ثم من
جهة النظر والروية، فهو إذن أمس بها رحما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم لها صحبة،
وآكد عندها حرمة، وإذا نقلتها في الشيء بمثله عن المدرك بالعقل المحض،
وبالفكرة في القلب، إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع، وعلى حد الضرورة،
فأنت كمن يتوسل إليها للغريب بالحميم، وللجديد الصحبة بالحبيب القديم، فأنت
إذن مع الشاعر وغير الشاعر، إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله، كمن
يخبر عن شيء من وراء حجاب، ثم يكشف عنه الحجاب، ويقول: هاهو ذا،
فأبصره تجده على ما وصفت.
(فإن قلت) : إن الأنس بالمشاهدة بعد الصفة والخبر إنما يكون لزوال
الريب والشك في الأكثر، أفتقول: إن التمثيل إنما أنس به؛ لأنه يصحح المذكور
والصفة السابقة، ويثبت أن كونها جائز ووجودها صحيح غير مستحيل، حتى لا
يكون تمثيل إلا كذلك؟ فالجواب: أن المعاني التي يجيء التمثيل في عقبها على
ضربين غريب بديع يمكن أن يخالف فيه، ويدعي امتناعه، واستحالة وجوده،
وذلك نحو قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وذلك أنه أراد أنه فاق الأنام وفاتهم إلى حد بطل معه أن يكون بينه وبينهم
مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصل بنفسه، وجنس برأسه، وهذا أمر غريب،
وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصة به إلى أن يصير كأنه
ليس من ذلك الجنس، وبالمدعي له حاجة إلى أن يصحح دعواه في جواز وجوده
على الجملة، إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح، فإذا قال: (فإن المسك بعض
دم الغزال) ، فقد احتج لدعواه، وأبان أن لما ادعاه أصلا في الوجود، وبرأ نفسه
من صفة الكذب، وباعدها من سفه المقدم على غير بصيرة، والمتوسع في الدعوة
من غير البينة، وذلك أن المسك قد خرج عن صفة الدم وحقيقته حتى لا يعد في
جنسه إذ لا يوجد في الدم شيء من أوصافه الشريفة الخاصة بوجه من الوجوه لا ما
قل ولا ما كثر، ولا في المسك شيء من الأوصاف التي كان لها الدم دما ألبتة.
(والضرب الثاني) أن لا يكون المعنى الممثل غريبا نادرا يحتاج في دعوى
كونه على الجملة إلى بينة وحجة وإثبات. نظير ذلك أن ينفي عن فعل من الأفعال
التي يفعلها الإنسان الفائدة ويدعي أنه لا يحصل منه على طائل، ثم يمثله في
ذلك بالقابض على الماء والراقم فيه، فالذي مثلت ليس بمنكر مستبدع، إذ لا ينكر
خطأ الإنسان في فعله أو ظنه وأمله وطلبه. ألا ترى أن المغزى من قوله [20] :
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابع
إنه قد خاب في ظنه أنه يتمتع بها ويسعد بوصلها، وليس بمنكر ولا عجيب
ولا ممتنع في الوجود، خارج من المعروف المعهود، أن يخيب ظن الإنسان في