السياسية والاجتماعية في أشهر جرائدها اليومية: الأهرام، فالمقطم، فالمؤيد،
فاللواء، وفي أشهر مجلاتها: كالمقتطف، والهلال، والمنار، والموسوعات،
وكان يختلف إلى مجالس الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ولا سيما بعد تلاقينا
وتوادنا، وكان له بالشيخ على يوسف صاحب المؤيد صلة ود وثيقة، ثم كان من
أصدقاء الزعيمين السياسيين مصطفى كامل باشا ومحمد فريد بك منذ نشأتهما
السياسية الأولى، وظهورها في ميدان السياسة إلى آخر عمرهما حتى إنه رثى
محمد بك فريد حين علم بموته - طريد وطنيته - في أوربة بأبيات من الشعر
وجدهما شقيقه عثمان بك في أوراقه، وقد رثى قبله الأستاذ الشيخ طاهرا، ولعل
هذين الرثائين آخر ما نظم، وليسا كل ما نظم، فقد كان - رحمه الله - ينظم
الشعر بما يجده من الداعية في نفسه لإرضاء نفسه، ولكنه لم يكن يحب أن ينشر
شيئا من شعره في الجرائد ولا أن يظهره للناس، إما لأنه لم يكن يراه بالمنزلة
اللائقة بشهرته، أو لأنه لم يكن يحب أن يسمى شاعرا، وإذ كان الشعر عنده أمرا
ثانويا ذكرناه في ترجمته استطرادا.
***
تلاقينا وتعاوننا على خدمة الأمة
في منتصف سنة 1315 (الموافق لخريف سنة 1897م) هاجر كاتب هذه
الترجمة إلى مصر، وفي الربع الأخير منها أنشأ (المنار) فكان سببا للتعارف
والتآلف بينه وبين الفقيد، فالتعاون على الإصلاح السياسي والاجتماعي فالاشتراك
في الأحزاب والجمعيات السرية والجهرية.
وكانت أول جمعية سياسية أسسناها بمصر (جمعية الشورى العثمانية) وقد
اشترك في تأليفها معنا رجال من سائر الشعوب العثمانية الكبرى وفي مقدمتهم الترك
والجركس والأرمن، وكان من أعضائها المؤسسين الضابط صائب بك الذي كان
حاجبا لصاحب الدولة أحمد مختار باشا الغازي، ومندوبا لجمعية الاتحاد والترقي
بمصر، ثم ترك خدمة المندوب العثماني السامي؛ إيثارا للسياسة التي تغضب
السلطان عليها، ومنهم الدكتور عبد الله جودت بك المشهور أحد مؤسسي جمعية
الاتحاد والترقي أول مرة، وكان هو (السكرتير التركي) لها، وكان الفقيد أمين
صندوقها وابن خاله حقي بك (سكرتيرها العربي) وكاتب هذه السطور رئيس
مجلس إدارتها.
كان تأسيس هذه الجمعية موافقا لرأي صاحب الدولة أحمد مختار باشا الغازي
المندوب العثماني السامي بمصر، وأنا الذي استشرته في ذلك وطلبت منه أن
يمنحها رعايته، ويأذن لنجله محمود باشا بأن يكون الرئيس العام أو رئيس شرف
لها فيمدها بمساعدته، فقال: إن الإصلاح لا يأتي من الأعلى ومن رجال الدولة،
إنما يأتي من وسط الأمة ومن الطبقات الدنيا فيها، وأخبرني أن السلطان علم
بوجود الجمعية وهو أنه يرسل البرقيات إليه تترى في السؤال عنها وعن مؤسسيها،
ويسميها جمعية إفسادية، وأنه تجاهل في جوابه أولا، ثم كتب إليه بأن لا إفساد
ولا ضرر منها، فإنها مؤلفة من بعض أهل العلم وأبناء الأسر الوجيهة المخلصة
للدولة.
ثم علمنا من شأن اهتمام السلطان بها ما هو فوق ذلك، فقد روى لنا حقي بك
عن خاله المرحوم صادق باشا المؤيد عن السلطان نفسه أن نبأ هذه الجمعية أقض
مضجعه؛ فبقي ثلاث ليال لا تذوق عيناه النوم إلا غرارا، ولم يقر له قرار حتى
عرف مؤسسيها من بعض جواسيسه بمصر (وهو رجل اسمه كامل بك) دخل
الجمعية بعد تأسيسها، وأظهر من الإخلاص لها والعناية بخدمتها ما كان محل
إعجاب جميع الأعضاء.
ولا غرو، فقد كان عمل الجمعية عظيما: تأسس لها فروع في الأقطار
المختلفة، وكانت تطبع المنشورات بالعربية وبالتركية وترسلها إلى فروعها في
البرد الأجنبية؛ فيوزعونها في الولايات التي يقيمون فيها وفيما جاورها، بل كان
يرسل بعض هذه المنشورات في البواخر الروسية مع بعض المسافرين
والمستخدمين فيها إلى ثغور البحر الأسود؛ فيأخذها هنالك منهم من يتولون إرسالها
إلى جميع بلاد الأناضول.
ثم أصدرت الجمعية (في فبراير سنة 907) جريدة باسمها (الشورى