وأما الشك وهو السبب الثالث فالشك إما أن يكون بعد انتهاء الصلاة أو يكون وهما لا حقيقة له أو يكون من شخص يكثر منه الشكوك بحيث أن لا يصلى إلا ويقع منه الشك ففي هذه الأحوال الثلاث لا يعتبر شيئا أي لا يعتبر هذا الشك شيئا فلو أن المصلى لما سلم شك هل صلى صلاة تامة أو ناقصة فإن هذا الشك لا يضره لأنه قد انتهى من عبادته والأصل أنه إنما أتى بها على الوجه المطلوب فلا يؤثر هذا الشك ولأنه لو فتحنا هذا الباب لتسلط الشيطان على كل فاعل عبادة يشككه فيها بعد أن ينتهي منها فنسد الباب على الشيطان ونقول الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له نعم لو تيقن فهنا يعمل بيقينه ولنضرب لهذا مثلا لو أن متوضئا توضأ ولما انتهى شك هل مسح رأسه أم لم يمسحه نقول له لا أثر لهذا الشك امض لما تريد ووضوؤك تام إلا إذا تيقن أنه لم يمسح رأسه فحينئذ يعمل بيقينه ويمسح رأسه ويغسل رجليه إذا ذكر في زمن قريب وكذلك في الصلاة لو سلم الإنسان من صلاة الظهر وشك هل صلى ثلاثا أم أربعا نقول هذا الشك لا أثر له ولا تلتفت له ولا تسجد للسهو ولا تأتي بركعة إلا إذا تيقنت أنك لم تصل إلا ثلاثا فحينئذ تأتي بالرابعة وتسجد للسهو وتسلم إن ذكرت ذلك في وقت قريب وإن ذكرت بعد مدة طويلة فإنه يجب عليك إعادة الصلاة من أولها
الشك الثاني مما لا يعتبر أن يكون الإنسان كثير الشكوك فهنا لا يعتبر الشك ولا يلتفت إليه لأن كثير الشكوك خارج عن الطبيعة الأصلىة للبشر فيكون هذا الشك مرضا ووسواسا لا يلتفت إليه وعلى هذا فإذا كان الإنسان كلما صلى شك هل أتم أم لم يتم نقول لا تلتفت لهذا الشك ألغه وكأنه لا شيء
الثالث إذا كان الشك وهما يعني مجرد وهم ليس ترددا حقيقيا فإنه لا يلتفت إليه أيضا ولا يؤثر عليه لأنه نوع من الوساوس
بقي علينا إذا كان الشك حقيقيا في أثناء الصلاة بأن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا فإننا نقول لا يخلو هذا الشك من حالين
الحالة الأولى أن يكون لديه ترجيح بين الطرفين فيعمل بالراجح ويتم عليه ويسجد للسهو بعد السلام
الحالة الثانية ألا يكون ثم ترجيح بل يكون الشك متساوي الطرفين فيبني هنا على الأقل لأنه متيقن ويتم عليه ويسجد للسهو قبل السلام وبهذا عرفنا أن الشك تارة يسجد له قبل السلام وتارة يسجد له بعد السلام فإن كان الشك فيه ترجيح لأحد الاحتمالين عمل بالراجح وأتم عليه وسجد بعد السلام وإن كان الشك ليس فيه ترجيح لأحد الاحتمالين بل هما سواء فإنه يعمل بالأقل ويتم عليه ويسجد للسهو قبل السلام وبهذا التفصيل جاءت السنة وعلى هذا نضرب مثلين
المثال الأول رجل يصلى الظهر وشك هل هذه هي الركعة الثالثة أو الرابعة وترجح عنده أنها هي الرابعة فنقول هذه آخر ركعة من ركعاتك فسلم ثم اسجد للسهو بعد السلام وإذا ترجح عنده أن هذه هي الثالثة نقول هذه الثالثة فأت بركعة وسلم واسجد للسهو بعد السلام هذا مثال
المثال الثاني رجل يصلى الظهر فشك في الركعة هل هي الرابعة أم الثالثة ولم يترجح عنده شيء ففي هذه الحال نقول اجعلها الثالثة لأنها الأقل وأتم الصلاة يعني بالرابعة واسجد للسهو قبل السلام لأن الشك هنا ليس فيه ترجيح والشك الذي ليس فيه ترجيح يبني فيه الإنسان على اليقين وهو الأقل ويسجد للسهو قبل السلام وهنا مسألة لو أن الإنسان بنى على اليقين أو على المترجح ثم تبين له أنه مصيب فيما فعل فهل يسجد للسهو أو لا يسجد فيه قولان لأهل العلم فمنهم من قال لا يسجد لأن الشك زال باليقين وتبين أن فعله ليس فيه زيادة ولا نقص ومنهم من قال يسجد لأنه أدى جزءا من صلاته مترددا فيه فجبرا لهذا التردد يسجد للسهو مثال ذلك رجل يصلى الظهر فشك هل هو في الثالثة أو في الرابعة شكا مترددا فيه ليس ثم ترجيح فماذا نقول له نقول ابن على اليقين وهو الأقل اجعل هذه هي الثالثة وأت بركعة ففعل فلما كان في التشهد الأخير ذكر أن هذه هي الرابعة يقينا فهل يسجد للسهو أو لا يسجد فيه الخلاف الذي ذكرته فإن سجد فهو خير وإن ترك فلا حرج عليه.