18.25-26
هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله، أعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية. وهي ثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلثمائة وازدادوا تسعا، وقوله: ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ أي إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا ﴿ الله أعلم بما لبثوا له غيب السموت والأرض ﴾ أي لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه. وقوله ﴿ أبصر به وأسمع ﴾ أي إنه لبصير بهم سميع لهم، قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح كأنه قيل ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله ﴿ أبصر به وأسمع ﴾: فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وقوله ﴿ ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا ﴾ أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير، ولا شريك ولا مشير تعالى وتقدس.
18.27-28
يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس، ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا مغير لها ولا محرف ولا مزيل، وقوله ﴿ ولن تجد من دونه ملتحدا ﴾ قال مجاهد: ﴿ ملتحدا ﴾ ملجأ، وعن قتادة: وليا ولا مولى، قال ابن جرير: يقول إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله كما قال تعالى:
يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته
[المائدة: 67]، وقوله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا، من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك، فقال:
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي
[الأنعام: 52] الآية. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ الآية. عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل:
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
[الأنعام: 52].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات "
وقال الطبراني، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ الآية، فخرج يلتمسهم فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس وجاف الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، وقال:
" الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم "
، وقوله: ﴿ ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم يعني تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ﴾ أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿ وكان أمره فرطا ﴾ أي أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعا له ولا محبا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: