تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا

[الكهف: 47].

18.100-102

يقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة: أنه يعرض عليهم جهنم، أي يبرزها لهم ويظهرها ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم، وفي " صحيح مسلم " عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك "

، ثم قال مخبرا عنهم ﴿ الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري ﴾ أي تغافلوا وتعاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال

ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين

[الزخرف: 36]، وقال ههنا ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعا ﴾ أي لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: ﴿ أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أوليآء ﴾ أي اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك وينتفعون به

كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا

[مريم: 82] ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة منزلا.

18.103-106

عن مصعب قال: سألت أبي، يعني سعد بن أبي وقاص، عن قول الله: ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد رضي الله عنه يسميهم الفاسقين. وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية، ومعنى هذا عن علي رضي الله عنه، أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

[الفرقان: 23]، وقال تعالى:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا

[النور: 39]، وقال في هذه الآية الكريمة ﴿ قل هل ننبئكم ﴾ أي نخبركم ﴿ بالأخسرين أعمالا ﴾ ، ثم فسرهم فقال: ﴿ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ﴾ أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، ﴿ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ أي يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون، وقوله ﴿ أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ﴾: أي جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة، ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ أي لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن الخير، روى البخاري، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة - وقال - اقرأوا إن شئتم: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ "

، وقال ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها "

، قال قرأ ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ ، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال:

" كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له، فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بريدة هذا ممن لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنا "

، وعن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عيظم طويل فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرأوا: ﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾. وقوله ﴿ ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا ﴾ أي إنما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا استهزأوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٠٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٠٢٠